< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah053
An-Najm (53)
The Star, makkah, 62 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
مِنَ المُشابَهَةِ والمُناسَبَةِ، وعَلى قَوْلِنا المُرادُ الرُّجُومُ مِنَ النُّجُومِ، فالنُّجُومُ تُبْعِدُ الشَّياطِينَ عَنْ أهْلِ السَّماءِ، والأنْبِياءُ يُبْعِدُونَ الشَّياطِينَ عَنْ أهْلِ الأرْضِ وعَلى قَوْلِنا المُرادُ القُرْآنُ فَهو اسْتَدَلَّ بِمُعْجِزَةِ النَّبِيِّ ﷺ عَلى صِدْقِهِ وبَراءَتِهِ فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى:﴿يس﴾﴿والقُرْآنِ الحَكِيمِ﴾﴿إنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾﴿عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾[ يس: ١ ٤] ما ضَلَلْتَ ولا غَوَيْتَ، وعَلى قَوْلِنا النَّجْمُ هو النَّباتُ، فَنَقُولُ: النَّباتُ بِهِ ثَباتُ القُوى الجُسْمانِيَّةِ وصَلاحُها والقُوَّةُ العَقْلِيَّةُ أوْلى بِالإصْلاحِ، وذَلِكَ بِالرُّسُلِ وإيضاحِ السُّبُلِ، ومِن هَذا يَظْهَرُ أنَّ المُخْتارَ هو النُّجُومُ الَّتِي هي في السَّماءِ لِأنَّها أظْهَرُ عِنْدَ السّامِعِ، وقَوْلُهُ ﴿إذا هَوى﴾ أدَلُّ عَلَيْهِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ القُرْآنُ أيْضًا فِيهِ ظُهُورٌ ثُمَّ الثُّرَيّا.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: القَوْلُ في ﴿والنَّجْمِ﴾ كالقَوْلِ في ﴿والطُّورِ﴾[ الطُّورِ: ١] حَيْثُ لَمْ يَقُلْ والنُّجُومِ ولا الأطْوارِ، وقالَ: ﴿والذّارِياتِ﴾ [ الذّارِياتِ: ١] ﴿والمُرْسَلاتِ﴾ [ المُرْسَلاتِ: ١] وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ما الفائِدَةُ في تَقْيِيدِ القَسَمِ بِهِ بِوَقْتٍ هو بِهِ ؟ نَقُولُ النَّجْمُ إذا كانَ في وسَطِ السَّماءِ يَكُونُ بَعِيدًا عَنِ الأرْضِ لا يَهْتَدِي بِهِ السّارِي لِأنَّهُ لا يَعْلَمُ بِهِ المَشْرِقَ مِنَ المَغْرِبِ ولا الجَنُوبَ مِنَ الشَّمالِ، فَإذا زالَ تَبَيَّنَ بِزَوالِهِ جانِبُ المَغْرِبِ مِنَ المَشْرِقِ والجَنُوبُ مِنَ الشَّمالِ كَذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ خَفَضَ جَناحَهُ لِلْمُؤْمِنِينَ وكانَ عَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ كَما قالَ تَعالى: ﴿وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾[ القَلَمِ: ٤] وكَما قالَ تَعالى: ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهم ولَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لانْفَضُّوا مِن حَوْلِكَ﴾ [ آلِ عِمْرانَ: ١٥٩] إنْ قِيلَ الِاهْتِداءُ بِالنَّجْمِ إذا كانَ عَلى أُفُقِ المَشْرِقِ كالِاهْتِداءِ بِهِ إذا كانَ عَلى أُفُقِ المَغْرِبِ فَلَمْ يَبْقَ ما ذَكَرْتَ جَوابًا عَنِ السُّؤالِ، نَقُولُ: الِاهْتِداءُ بِالنَّجْمِ وهو مائِلٌ إلى المَغْرِبِ أكْثَرُ لِأنَّهُ يَهْدِي في الطَّرِيقَيْنِ الدُّنْيَوِيِّ والدِّينِيِّ، أمّا الدُّنْيَوِيُّ فَلِما ذَكَرْنا، وأمّا الدِّينِيُّ فَكَما قالَ الخَلِيلُ ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾[ الأنْعامِ: ٧٦] وفِيهِ لَطِيفَةٌ، وهي أنَّ اللَّهَ لَمّا أقْسَمَ بِالنَّجْمِ شَرَّفَهُ وعَظَّمَهُ، وكانَ مِنَ المُشْرِكِينَ مَن يَعْبُدُهُ فَقَرَنَ بِتَعْظِيمِهِ وصْفًا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَبْلُغْ دَرَجَةَ العِبادَةِ، فَإنَّهُ هاوٍ آفِلٌ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ما ضَلَّ صاحِبُكم وما غَوى﴾ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الضَّلالِ والغَيِّ، والَّذِي قالَهُ
صفحة ٢٤٢
بَعْضُهم عِنْدَ مُحاوَلَةِ الفَرْقِ: أنَّ الضَّلالَ في مُقابَلَةِ الهُدى، والغَيَّ في مُقابَلَةِ الرُّشْدِ، قالَ تَعالى: ﴿وإنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وإنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾[ الأعْرافِ: ١٤٦] وقالَ تَعالى: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ﴾[ البَقَرَةِ: ٢٥٦] وتَحْقِيقُ القَوْلِ فِيهِ أنَّ الضَّلالَ أعَمُّ اسْتِعْمالًا في الوَضْعِ، تَقُولُ ضَلَّ بِعِيرِي ورَحْلِي، ولا تَقُولُ غَوى، فالمُرادُ مِنَ الضَّلالِ أنْ لا يَجِدَ السّالِكُ إلى مَقْصِدِهِ طَرِيقًا أصْلًا، والغِوايَةُ أنْ لا يَكُونَ لَهُ طَرِيقٌ إلى المَقْصِدِ مُسْتَقِيمٌ، يَدُلُّكَ عَلى هَذا أنَّكَ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِ الَّذِي لَيْسَ عَلى طَرِيقِ السَّدادِ إنَّهُ سَفِيهٌ غَيْرُ رَشِيدٍ، ولا تَقُولُ إنَّهُ ضالٌّ، والضّالُّ كالكافِرِ، والغاوِي كالفاسِقِ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ما ضَلَّ﴾ أيْ ما كَفَرَ، ولا أقَلَّ مِن ذَلِكَ فَما فَسَقَ، ويُؤَيِّدُ ما ذَكَرْنا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا فادْفَعُوا إلَيْهِمْ أمْوالَهُمْ﴾[ النِّساءِ: ٦] أوْ نَقُولُ الضَّلالُ كالعَدَمِ، والغِوايَةُ كالوُجُودِ الفاسِدِ في الدَّرَجَةِ والمَرْتَبَةِ، وقَوْلُهُ ﴿صاحِبُكُمْ﴾ فِيهِ وجْهانِ:الأوَّلُ: سَيِّدُكم والآخَرُ: مُصاحِبُكم، يُقالُ صاحِبُ البَيْتِ ورَبُّ البَيْتِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ ﴿ما ضَلَّ﴾ أيْ ما جُنَّ، فَإنَّ المَجْنُونَ ضالٌّ، وعَلى هَذا فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ن والقَلَمِ وما يَسْطُرُونَ﴾﴿ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾