< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


القَسَمِ إنْ لَمْ يَتَوَهَّمْ وُجُودَ فِعْلِ ما ذَكَرْتُهُ ولَمْ يَسْمَعْهُ، أمّا إنْ تَوَهَّمَ أنِّي ذَكَرْتُ مَعَ قَوْلِي بِاللَّهِ شَيْئًا آخَرَ وما سَمِعَهُ هو أيْضًا يَتَوَقَّفُ فِيهِ فَفي الفَهْمِ تَوَقُّفٌ، فَإذا أرادَ المُتَكَلِّمُ الحَكِيمُ إذْهابَ ذَلِكَ مَعَ الِاخْتِصارِ وتَرْكِ ما اسْتَغْنى عَنْهُ، وهو فِعْلُ القَسَمِ أبْدَلَ الباءَ بِالتّاءِ، وقالَ: تاللَّهِ، فَتَكَلَّمَ بِها في كَلِمَةِ اللَّهِ لِاشْتِهارِ كَلِمَةِ اللَّهِ والأمْنِ مِنَ الِالتِباسِ، فَإنَّ التّاءَ في أوائِلِ الكَلِماتِ قَدْ تَكُونُ أصْلِيَّةً، وقَدْ تَكُونُ لِلْخِطابِ والتَّأْنِيثِ، فَلَوْ أقْسَمَ بِحَرْفِ التّاءِ بِمَنِ اسْمُهُ داعِي أوْ راعِي أوْ هادِي أوْ عادِي يَقُولُ تَداعِي أوْ تَراعِي أوْ تَهادِي أوْ تَعادِي فَيَلْتَبِسُ، وكَذَلِكَ فِيمَنِ اسْمُهُ رُومانُ أوْ تُورانُ إذا قُلْتَ تَرُومانِ أوْ تَتُورانِ عَلى أنَّكَ تُقْسِمُ بِالتّاءِ تَلْتَبِسُ بِتاءِ الخِطابِ والتَّأْنِيثِ في الِاسْتِقْبالِ، فَأبْدَلُوها واوًا لا يُقالُ عَلَيْهِ إشْكالانِ:

الأوَّلُ: مَعَ الواوِ لَمْ يُؤْمَنِ الِالتِباسُ، نَقُولُ ولّى فَتَلْتَبِسُ الواوُ الأصْلِيَّةُ بِالَّتِي لِلْقَسَمِ لِأنّا نَقُولُ ذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْ فِيما ذَهَبْنا إلَيْهِ، وإنَّما كانَ ذَلِكَ في الواوِ حَيْثُ يَدُلُّ ويُنْبِئُ عَنِ العَطْفِ وإنْ لَمْ يَسْتَعْمِلِ الواوَ لِلْقَسَمِ، كَيْفَ وذَلِكَ في الباءِ الَّتِي هي كالأصْلِ مُتَحَقِّقٌ، تَقُولُ بِرامٌ في جَمْعِ بُرْمَةٍ، وبِهامٌ في جَمْعِ بَهْمَةٍ، وبِغالٌ لِلَبْسِيَّةِ الباءِ الأصْلِيَّةِ الَّتِي في البِغالِ والبِرامِ بِالباءِ الَّتِي تُلْصِقُها بِقَوْلِكَ مالَ ورَأى فَتَقُولُ بِمالٍ، وأمّا التّاءُ لَمّا اسْتُعْمِلَتْ لِلْقَسَمِ لَزِمَ مِن ذَلِكَ الِاسْتِعْمالِ الِالتِباسُ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ مِن قَبْلُ حَرْفًا مِنَ الأدَواتِ كالباءِ والواوِ. الإشْكالُ الثّانِي: لِمَ تُرِكَتْ مِمّا لا التِباسَ فِيهِ كَقَوْلِكَ: تالرَّحِيمِ وتالعَظِيمِ ؟ نَقُولُ: لَمّا كانَتْ كَلِمَةُ اللَّهِ تَعالى في غايَةِ الشُّهْرَةِ والظُّهُورِ اسْتُعْمِلَتِ التّاءُ فِيها عَلى خِلافِ الأصْلِ، بِمَعْنى لَمْ يَجُزْ أنْ يُقاسَ عَلَيْها إلّا ما يَكُونُ في شُهْرَتِها، وأمّا غَيْرُها فَرُبَّما يَخْفى عِنْدَ البَعْضِ، فَإنَّ مَن يَسْمَعُ الرَّحِيمَ وسَمِعَ في النُّدْرَةِ تَرَ بِمَعْنى قَطَعَ رُبَّما يَقُولُ تَرَحِيمَ فِعْلٌ وفاعِلٌ أوْ فِعْلٌ ومَفْعُولٌ وإنْ كانَ ذَلِكَ في غايَةِ البُعْدِ، لَكِنَّ الِاسْتِواءَ في الشُّهْرَةِ في المَنقُولِ مِنهُ والمَنقُولِ إلَيْهِ لازِمٌ، ولا مَشْهُورَ مِثْلُ كَلِمَةِ اللَّهِ، عَلى أنّا نَقُولُ: لِمَ قُلْتَ إنَّ عِنْدَ الأمْنِ لا تُسْتَعْمَلُ ألا تَرى أنَّهُ نُقِلَ عَنِ العَرَبِ بِرَبِّ الكَعْبَةِ، والَّذِي يُؤَيِّدُ ما ذَكَرْنا أنْتَ تَقُولُ أُقْسِمُ بِاللَّهِ ولا تَقُولُ أُقْسِمُ تاللَّهِ لِأنَّ التّاءَ فِيهِ مَخافَةُ

صفحة ٢٤١

الِالتِباسِ عِنْدَ حَذْفِ الفِعْلِ مِنَ القَسَمِ، وعِنْدَ الإتْيانِ بِهِ لَمْ يَخْفَ ذَلِكَ فَلَمْ يَجُزْ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اللّامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والنَّجْمِ﴾ لِتَعْرِيفِ العَهْدِ في قَوْلٍ ولِتَعْرِيفِ الجِنْسِ في قَوْلٍ، والأوَّلُ قَوْلُ مَن قالَ: ﴿والنَّجْمِ﴾ المُرادُ مِنهُ الثُّرَيّا، قالَ قائِلُهم:

إنْ بَدا النَّجْمُ عَشِيًّا ∗∗∗ ابْتَغى الرّاعِي كَسِيًّا

والثّانِي فِيهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: النَّجْمُ هو نَجْمُ السَّماءِ الَّتِي هي ثابِتَةٌ فِيها لِلِاهْتِداءِ، وقِيلَ لا بَلِ النَّجْمُ المُنْقَضَّةُ فِيها الَّتِي هي رُجُومٌ لِلشَّياطِينِ.

ثانِيها: نُجُومُ الأرْضِ وهي مِنَ النَّباتِ ما لا ساقَ لَهُ.

ثالِثُها: نُجُومُ القُرْآنِ ولْنَذْكُرْ مُناسِبَةَ كُلِّ وجْهٍ ونُبَيِّنْ فِيهِ المُخْتارَ مِنها، أمّا عَلى قَوْلِنا المُرادُ الثُّرَيّا فَهو أظْهَرُ النُّجُومِ عِنْدَ الرّائِي لِأنَّ لَهُ عَلامَةً لا يَلْتَبِسُ بِغَيْرِهِ في السَّماءِ ويَظْهَرُ لِكُلِّ أحَدٍ والنَّبِيُّ ﷺ تَمَيَّزَ عَنِ الكُلِّ بِآياتٍ بَيِّناتٍ فَأقْسَمَ بِهِ، ولِأنَّ الثُّرَيّا إذا ظَهَرَتْ مِنَ المَشْرِقِ بِالبِكْرِ حانَ إدْراكُ الثِّمارِ، وإذا ظَهَرَتْ بِالعِشاءِ أواخِرَ الخَرِيفِ تَقِلُّ الأمْراضُ والنَّبِيُّ ﷺ لَمّا ظَهَرَ قَلَّ الشَّكُّ والأمْراضُ القَلْبِيَّةُ وأُدْرِكَتِ الثِّمارُ الحِكَمِيَّةُ والحِلْمِيَّةُ، وعَلى قَوْلِنا المُرادُ هي النُّجُومُ الَّتِي في السَّماءِ لِلِاهْتِداءِ، نَقُولُ: النُّجُومُ بِها الِاهْتِداءُ في البَرارِي فَأقْسَمَ اللَّهُ بِها لِما بَيْنَهُما