< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah054
Al-Qamar (54)
The Moon, makkah, 55 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
صفحة ٢٦
(سُورَةُ القَمَرِ)خَمْسٌ وخَمْسُونَ آيَةً مَكِّيَّةً
﷽
﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾﴿وإنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا ويَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾
﷽
﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ أوَّلُ السُّورَةِ مُناسِبٌ لِآخِرِ ما قَبْلَها، وهو قَوْلُهُ: ﴿أزِفَتِ الآزِفَةُ﴾[النجم: ٥٧] فَكَأنَّهُ أعادَ ذَلِكَ مَعَ الدَّلِيلِ، وقالَ قُلْتُ: ﴿أزِفَتِ الآزِفَةُ﴾ وهو حَقٌّ؛ إذِ القَمَرُ انْشَقَّ، والمُفَسِّرُونَ بِأسْرِهِمْ عَلى أنَّ المُرادَ أنَّ القَمَرَ انْشَقَّ، وحَصَلَ فِيهِ الِانْشِقاقُ، ودَلَّتِ الأخْبارُ عَلى حَدِيثِ الِانْشِقاقِ، وفي الصَّحِيحِ خَبَرٌ مَشْهُورٌ رَواهُ جَمْعٌ مِنَ الصَّحابَةِ، وقالُوا: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ آيَةَ الِانْشِقاقِ بِعَيْنِها مُعْجِزَةً، فَسَألَ رَبَّهُ فَشَقَّهُ ومَضى، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ سَيَنْشَقُّ، وهو بَعِيدٌ ولا مَعْنى لَهُ؛ لِأنَّ مَن مَنَعَ ذَلِكَ وهو الفَلْسَفِيُّ يَمْنَعُهُ في الماضِي والمُسْتَقْبَلِ، ومَن يُجَوِّزُهُ لا حاجَةَ إلى التَّأْوِيلِ، وإنَّما ذَهَبَ إلَيْهِ ذَلِكَ الذّاهِبُ؛ لِأنَّ الِانْشِقاقَ أمْرٌ هائِلٌ، فَلَوْ وقَعَ لَعَمَّ وجْهَ الأرْضِ فَكانَ يَنْبَغِي أنْ يَبْلُغَ حَدَّ التَّواتُرِ، نَقُولُ: النَّبِيُّ ﷺ لَمّا كانَ يَتَحَدّى بِالقُرْآنِ، وكانُوا يَقُولُونَ: إنّا نَأْتِي بِأفْصَحِ ما يَكُونُ مِنَ الكَلامِ، وعَجَزُوا عَنْهُ، فَكانَ القُرْآنُ مُعْجِزَةً باقِيَةً إلى قِيامِ القِيامَةِ لا يَتَمَسَّكُ بِمُعْجِزَةٍ أُخْرى فَلَمْ يَنْقُلْهُ العُلَماءُ بِحَيْثُ يَبْلُغُ حَدَّ التَّواتُرِ. وأمّا المُؤَرِّخُونَ فَتَرَكُوهُ؛ لِأنَّ التَّوارِيخَ في أكْثَرِ الأمْرِ يَسْتَعْمِلُها المُنَجِّمُ، وهو لَمّا وقَعَ الأمْرُ قالُوا بِأنَّهُ مِثْلُ خُسُوفِ القَمَرِ، وظُهُورِ شَيْءٍ في الجَوِّ عَلى شَكْلِ نِصْفِ القَمَرِ في مَوْضِعٍ آخَرَ فَتَرَكُوا حِكايَتَهُ في تَوارِيخِهِمْ، والقُرْآنُ أدَلُّ دَلِيلٍ وأقْوى مُثْبِتٍ لَهُ، وإمْكانُهُ لا يُشَكُّ فِيهِ، وقَدْ أخْبَرَ عَنْهُ الصّادِقُ، فَيَجِبُ اعْتِقادُ وُقُوعِهِ، وحَدِيثُ امْتِناعِ الخَرْقِ والِالتِئامِ حَدِيثُ اللِّئامِ، وقَدْ ثَبَتَ جَوازُ الخَرْقِ والتَّخْرِيبِ عَلى السَّماواتِ، وذَكَرْناهُ مِرارًا فَلا نُعِيدُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى:
﴿وإنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا ويَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ تَقْدِيرُهُ: وبَعْدَ هَذا إنْ يَرَوْا آيَةً يَقُولُوا سِحْرٌ، فَإنَّهم رَأوْا آياتٍ أرْضِيَّةً، وآياتٍ سَماوِيَّةً، ولَمْ يُؤْمِنُوا، ولَمْ يَتْرُكُوا عِنادَهم، فَإنْ يَرَوْا ما يَرَوْنَ بَعْدَ هَذا لا يُؤْمِنُونَ، وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ وهو أنْ يُقالَ: المَعْنى أنَّ عادَتَهم أنَّهم إنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا، فَلَمّا رَأوُا انْشِقاقَ القَمَرِ أعْرَضُوا لِتِلْكَ العادَةِ، وفِيهِ مَسائِلُ:
الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿آيَةً﴾ ماذا ؟ نَقُولُ آيَةُ اقْتِرابِ السّاعَةِ، فَإنَّ انْشِقاقَ القَمَرِ مِن آياتِهِ، وقَدْ رَدُّوا وكَذَّبُوا، فَإنْ يَرَوْا غَيْرَها أيْضًا يُعْرِضُوا، أوْ آيَةُ الِانْشِقاقِ فَإنَّها مُعْجِزَةٌ، أمّا كَوْنُها مُعْجِزَةً فَفي غايَةِ الظُّهُورِ، وأمّا كَوْنُها آيَةَ
صفحة ٢٧
السّاعَةِ، فَلِأنَّ مُنْكِرَ رَبِّ العالَمِ يُنْكِرُ انْشِقاقَ السَّماءِ وانْفِطارِها وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: في كُلِّ جِسْمٍ سَماوِيٍّ مِنَ الكَواكِبِ، فَإذا انْشَقَّ بَعْضُها ثَبَتَ خِلافَ ما يَقُولُ بِهِ، وبانَ جَوازُ خَرابِ العالَمِ، وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: مَعْناهُ أنَّ مِن عَلاماتِ قِيامِ السّاعَةِ انْشِقاقُ القَمَرِ عَنْ قَرِيبٍ، وهَذا ضَعِيفٌ حَمَلَهم عَلى هَذا القَوْلِ ضِيقُ المَكانِ، وخَفاءُ الأمْرِ عَلى الأذْهانِ، وبَيانُ ضَعْفِهِ هو أنَّ اللَّهَ تَعالى لَوْ أخْبَرَ في كِتابِهِ أنَّ القَمَرَ يَنْشَقُّ، وهو عَلّامَةُ قِيامِ السّاعَةِ، لَكانَ ذَلِكَ أمْرًا لا بُدَّ مِن وُقُوعِهِ مِثْلَ خُرُوجِ دابَّةِ الأرْضِ، وطُلُوعِ الشَّمْسِ مِنَ المَغْرِبِ، فَلا يَكُونُ مُعْجِزَةَ النَّبِيِّ ﷺ، كَما أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ عَجائِبُ، ولَيْسَتْ بِمُعْجِزَةٍ لِلنَّبِيِّ، لا يُقالُ: الإخْبارُ عَنْها قَبْلَ وُقُوعِها مُعْجِزَةٌ؛ لِأنّا نَقُولُ: فَحِينَئِذٍ يَكُونُ هَذا مِن قَبِيلِ الإخْبارِ عَنِ الغُيُوبِ، فَلا يَكُونُ هو مُعْجِزَةً بِرَأْسِهِ وذَلِكَ فاسِدٌ، ولا يُقالُ: بِأنَّ ذَلِكَ كانَ مُعْجِزَةً وعَلامَةً، فَأخْبَرَ اللَّهُ في الصُّحُفِ والكُتُبِ السّالِفَةِ أنَّ ذَلِكَ يَكُونُ مُعْجِزَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ وتَكُونُ السّاعَةُ قَرِيبَةً حِينَئِذٍ، وذَلِكَ لِأنَّ بَعْثَةَ النَّبِيِّ ﷺ عَلامَةٌ كائِنَةٌ حَيْثُ قالَ: ”«بُعِثْتُ أنا والسّاعَةُ كَهاتَيْنِ»“ ولِهَذا يُحْكى عَنْ سَطِيحٍ