< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


﴿وإنَّ لَكَ لَأجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾[ القَلَمِ: ١ ٤] فَيَكُونُ إشارَةً إلى أنَّهُ ما غَوى، بَلْ هو رَشِيدٌ مُرْشِدٌ دالٌّ عَلى اللَّهِ بِإرْشادٍ آخَرَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ﴾[ ص: ٨٦] وقالَ: ﴿إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ﴾[ سَبَأٍ: ٤٧] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾[ القَلَمِ: ٤] إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ هاهُنا ﴿وما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى﴾ فَإنَّ هَذا خُلُقٌ عَظِيمٌ، ولِنُبَيِّنَ التَّرْتِيبَ فَنَقُولُ: قالَ أوَّلًا ﴿ما ضَلَّ﴾ أيْ هو عَلى الطَّرِيقِ ﴿وما غَوى﴾ أيْ طَرِيقُهُ الَّذِي هو عَلَيْهِ مُسْتَقِيمٌ ﴿وما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى﴾ أيْ هو راكِبٌ مَتْنَهُ آخِذٌ سَمْتَ المَقْصُودِ، وذَلِكَ لِأنَّ مَن يَسْلُكُ طَرِيقًا لِيَصِلَ إلى مَقْصِدِهِ فَرُبَّما يَبْقى بِلا طَرِيقٍ، ورُبَّما يَجِدُ إلَيْهِ طَرِيقًا بَعِيدًا فِيهِ مَتاعِبُ ومَهالِكُ، ورُبَّما يَجِدُ طَرِيقًا واسِعًا آمِنًا، ولَكِنَّهُ يَمِيلُ يَمْنَةً ويَسْرَةً فَيَبْعُدُ عَنْهُ المَقْصِدُ، ويَتَأخَّرُ عَلَيْهِ الوُصُولُ، فَإذا سَلَكَ الجادَّةَ ورَكِبَ مَتْنَها كانَ أسْرَعَ وُصُولًا، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ ﴿وما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ ما ضَلَّ وما غَوى، تَقْدِيرُهُ: كَيْفَ يَضِلُّ أوْ يَغْوى وهو لا يَنْطِقُ عَنِ الهَوى، وإنَّما يَضِلُّ مَن يَتَّبِعُ الهَوى، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَتَّبِعِ الهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾[ ص: ٢٦] فَإنْ قِيلَ ما ذَكَرْتَ مِنَ التَّرْتِيبِ الأوَّلِ عَلى صِيغَةِ الماضِي في قَوْلِهِ ﴿ما ضَلَّ﴾ وصِيغَةِ المُسْتَقْبَلِ في قَوْلِهِ ﴿وما يَنْطِقُ﴾ في غايَةِ الحُسْنِ، أيْ ما ضَلَّ حِينَ اعْتَزَلَكم وما تَعْبُدُونَ في صِغَرِهِ ﴿وما غَوى﴾ حِينَ اخْتَلى بِنَفْسِهِ ورَأى مَنامَهُ ”ما رَأى“ ﴿وما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى﴾ الآنَ حَيْثُ أُرْسِلَ إلَيْكم وجُعِلَ رَسُولًا شاهِدًا عَلَيْكم، فَلَمْ يَكُنْ أوَّلًا ضالًّا ولا غاوِيًا، وصارَ الآنَ مُنْقِذًا مِنَ الضَّلالَةِ ومُرْشِدًا وهادِيًا. وأمّا عَلى ما ذَكَرْتَ أنَّ تَقْدِيرَهُ كَيْفَ يَضِلُّ وهو لا يَنْطِقُ عَنِ الهَوى فَلا تُوافِقُهُ الصِّيغَةُ ؟ نَقُولُ بَلى، وبَيانُهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَصُونُ مَن يُرِيدُ إرْسالَهُ في صِغَرِهِ عَنِ الكُفْرِ والمَعايِبِ القَبِيحَةِ كالسَّرِقَةِ والزِّنا واعْتِيادِ الكَذِبِ، فَقالَ تَعالى: ﴿ما ضَلَّ﴾ في صِغَرِهِ، لِأنَّهُ لا يَنْطِقُ عَنِ الهَوى، وأحْسَنُ ما يُقالُ في تَفْسِيرِ الهَوى أنَّها المَحَبَّةُ، لَكِنْ مِنَ النَّفْسِ، يُقالُ هَوِيتُهُ بِمَعْنى أحْبَبْتُهُ لَكِنَّ الحُرُوفَ الَّتِي في هَوِيَ تَدُلُّ عَلى الدُّنُوِّ والنُّزُولِ والسُّقُوطِ ومِنهُ الهاوِيَةُ، فالنَّفْسُ إذا كانَتْ دَنِيئَةً، وتَرَكَتِ المَعالِيَ وتَعَلَّقَتْ بِالسَّفاسِفِ فَقَدْ هَوَتْ فاخْتَصَّ الهَوى بِالنَّفْسِ الأمّارَةِ بِالسُّوءِ، ولَوْ قُلْتَ أهْواهُ بِقَلْبِي لَزالَ ما فِيهِ مِنَ السَّفالَةِ، لَكِنَّ الِاسْتِعْمالَ بَعْدَ اسْتِبْعادِ اسْتِعْمالِ القُرْآنِ حَيْثُ لَمْ يُسْتَعْمَلِ الهَوى إلّا في المَواضِعِ الَّذِي يُخالِفُ المَحَبَّةَ، فَإنَّها مُسْتَعْمَلَةٌ في مَوْضِعِ المَدْحِ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى ما ذَكَرْنا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا مَن طَغى﴾﴿وآثَرَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿ونَهى النَّفْسَ عَنِ الهَوى﴾ [ النّازِعاتِ: ٣٧ ٤٠] إشارَةٌ إلى عُلُوِّ مَرْتَبَةِ النَّفْسِ.

صفحة ٢٤٣

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنْ هو إلّا وحْيٌ يُوحى﴾ بِكَلِمَةِ البَيانِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿وما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى﴾[ النَّجْمِ: ٣] كَأنَّ قائِلًا قالَ: فَبِماذا يَنْطِقُ أعَنِ الدَّلِيلِ أوْ الِاجْتِهادِ ؟ فَقالَ لا، وإنَّما يَنْطِقُ عَنِ اللَّهِ بِالوَحْيِ، وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: (إنْ) اسْتُعْمِلَتْ مَكانَ (ما) لِلنَّفْيِ، كَما اسْتُعْمِلَتْ (ما) لِلشَّرْطِ مَكانَ (إنْ)، قالَ تَعالى: ﴿ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ أوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنها﴾[ البَقَرَةِ: ١٠٦]والمُشابَهَةُ بَيْنَهُما مِن حَيْثُ اللَّفْظُ والمَعْنى، أمّا اللَّفْظُ فَلِأنَّ (إنْ) مِنَ الهَمْزَةِ والنُّونِ، و(ما) مِنَ المِيمِ والألِفِ، والألِفُ كالهَمْزَةِ والنُّونُ كالمِيمِ، أمّا الأوَّلُ: فَبِدَلِيلِ جَوازِ القَلْبِ، وأمّا الثّانِي: فَبِدَلِيلِ جَوازِ الإدْغامِ ووُجُوبِهِ، وأمّا المَعْنى