< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


والفاضِلِ، فَما ذَلِكَ ؟ نَقُولُ هاهُنا أُخِذَ مِن أصْلٍ غَيْرِ مُسْتَعْمَلٍ كَما قُلْنا إنَّ الآخِرَ فاعِلٌ مِن فِعْلٍ غَيْرِ مُسْتَعْمَلٍ، وسَبَبُ ذَلِكَ هو أنَّ كُلَّ فِعْلٍ مُسْتَعْمَلٍ فَلَهُ آخَرُ، وذَلِكَ لِأنَّ لَهُ ماضِيًا فَإذا اسْتَعْمَلَتْ ماضِيَهُ لَزِمَ فَراغُ الفِعْلِ وإلّا لَكانَ الفاعِلُ بَعْدُ في الفِعْلِ فَلا يَكُونُ ماضِيًا فَإنَّكَ لا تَقُولُ لِمَن هو بَعْدَ الأكْلِ أكَلَ إلّا مُتَجَوِّزًا عِنْدَما يَبْقى لَهُ قَلِيلٌ، فَيَقُولُ أكَلَ إشارَةٌ إلى أنَّ ما بَقِيَ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهِ وتَقُولُ لِمَن قَرُبَ مِنَ الفَراغِ فَرَغْتَ فَيَقُولُ فَرَغْتُ بِمَعْنى أنَّ ما بَقِيَ قَلِيلٌ لا يُعْتَدُّ بِهِ فَكَأنِّي فَرَغْتُ، وأمّا الماضِي في الحَقِيقَةِ لا يَصِحُّ إلّا عِنْدَ تَمامِ الشَّيْءِ والفَراغِ عَنْهُ فَإذًا لِلْفِعْلِ المُسْتَعْمَلِ آخِرٌ فَلَوْ كانَ لِقَوْلِنا آخِرٌ عَلى وزْنِ فاعِلٍ فِعْلٌ هو أخَرَ يَأْخُرُ كَأمَرَ يَأْمُرُ لَكانَ مَعْناهُ صَدَرَ مَصْدَرُهُ كَجَلَسَ مَعْناهُ صَدَرَ الجُلُوسُ مِنهُ بِالتَّمامِ والكَمالِ فَكانَ يَنْبَغِي أنَّ القائِلَ إذا قالَ فُلانٌ آخَرُ كانَ مَعْناهُ وُجِدَ مِنهُ تَمامُ الآخِرِيَّةِ وفَرَغَ مِنها فَلا يَكُونُ بَعْدَما يَكُونُ آخَرُ لَكِنْ تَقَدَّمَ أنَّ كُلَّ فِعْلٍ فَلَهُ آخِرٌ بَعْدَهُ لا يُقالُ يُشَكَّلُ بِقَوْلِنا تَأخَّرَ فَإنَّ مَعْناهُ صارَ آخِرًا لِأنّا نَقُولُ وزْنُ الفِعْلِ يُنادِي

صفحة ٢٦٢

عَلى صِحَّةِ ما ذَكَرْنا فَإنَّهُ مِن بابِ التَّكَلُّفِ والتَّكَبُّرِ إذا اسْتُعْمِلَ في غَيْرِ المُتَكَبِّرِ أيْ يُرى أنَّهُ آخِرٌ ولَيْسَ في الحَقِيقَةِ كَذَلِكَ، إذا عَلِمْتَ هَذا فَنَقُولُ الآخِرُ فاعِلٌ لَيْسَ لَهُ فِعْلٌ، ومُبالَغَتُهُ بِأفْعَلَ وهو كَقَوْلِنا أأْخَرُ، فَنُقِلَتِ الهَمْزَةُ إلى مَكانِ الألِفِ، والألِفُ إلى مَكانِ الهَمْزَةِ، فَصارَتِ الألِفُ هَمْزَةً والهَمْزَةُ ألِفًا، ويَدُلُّ عَلَيْهِ التَّأْوِيلُ في المَعْنى، فَإنَّ آخِرَ الشَّيْءِ جُزْءٌ مِنهُ مُتَّصِلٌ بِهِ والآخِرُ مُبايِنٌ عَنْهُ مُنْفَصِلٌ والمُنْفَصِلُ بَعْدَ المُتَّصِلِ، والآخِرُ أشَدُّ تَأخُّرًا عَنِ الشَّيْءِ مِن آخِرِهِ، والأوَّلُ أفْعَلُ لَيْسَ لَهُ فاعِلٌ، ولَيْسَ لَهُ فِعْلٌ، والأوَّلُ أبْعَدُ عَنِ الفِعْلِ مِنَ الآخِرِ، وذَلِكَ لِأنَّ الفِعْلَ الماضِيَ عُلِمَ لَهُ آخِرٌ مِن وصْفْهِ بِالماضِي ولَوْلا ذَلِكَ الوَصْفُ لَما عُلِمَ لَهُ آخِرٌ، وأمّا الفِعْلُ لِتَفْسِيرِ كَوْنِهِ فِعْلًا عُلِمَ لَهُ أوَّلٌ؛ لِأنَّ الفِعْلَ لا بُدَّ لَهُ مِن فاعِلٍ يَقُومُ بِهِ، أوْ يُوجَدُ مِنهُ فَإذًا الفاعِلُ أوَّلًا ثُمَّ الفِعْلُ، فَإذا كانَ الفاعِلُ أوَّلَ الفِعْلِ كَيْفَ يَكُونُ الأوَّلُ لَهُ فِعْلٌ يُوجَدُ مِنهُ فَلا فِعْلَ لَهُ ولا فاعِلَ، فَلا يُقالُ آلَ الشَّيْءُ بِمَعْنى سَبَقَ، كَما يُقالُ قالَ مِنَ القَوْلِ، أوْ نالَ مِنَ النَّيْلِ، لا يُقالُ إنَّ قَوْلَنا سَبَقَ أُخِذَ مِنهُ السّابِقُ ومِنَ السّابِقِ الأسْبَقُ مَعَ أنَّ الفاعِلَ يَسْبِقُ الفِعْلَ، وكَذَلِكَ يُقالُ تَقَدَّمَ الشَّيْءُ مَعَ أنَّ الفاعِلَ مُتَقَدِّمٌ عَلى الفِعْلِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، نَقُولُ أمّا تَقَدَّمَ قَدْ مَضى الجَوابُ عَنْهُ في تَأخَّرَ، وأمّا سَبَقَ يَقُولُ القائِلُ سابَقْتُهُ فَسَبَقْتُهُ فَنُجِيبُ عَنْهُ بِأنَّ ذَلِكَ مُفْتَقِرٌ إلى أمْرٍ يَصْدُرُ مِن فاعِلٍ فالسّابِقُ إنِ اسْتُعْمِلَ في الأوَّلِ فَهو بِطْرِيقِ المُشابَهَةِ لا بِطَرِيقِ الحَقِيقَةِ، والفاعِلُ أوَّلُ الفِعْلِ بِمَعْنى قَبْلَ الفِعْلِ، ولَيْسَ سابِقَ الفِعْلِ لِأنَّ الفاعِلَ والفِعْلَ لا يَتَسابَقانِ فالفاعِلُ لا يَسْبِقُهُ، والَّذِي يُوَضِّحُ ما ذَكَرْنا أنَّ الآخِرَ أبْعَدُ مِنَ الأوَّلِ عَنِ الفِعْلِ بِخِلافِ الآخِرِ، وما يُقالُ إنَّ أوَّلَ بِمَعْنى جَعْلِ الآخِرِ أوَّلًا لِاسْتِخْراجِ مَعْنًى مِنَ الكَلامِ فَبَعِيدٌ وإلّا لَمْ يَكُنْ آخِرٌ دُونَهُ في إفادَةِ ذَلِكَ، بَلِ التَّأْوِيلُ مِن آلَ شَيْءٌ إذا رَجَعَ أيْ رَجَعَهُ إلى المَعْنى المُرادِ، وأبْعَدُ مِنَ اللَّفْظَيْنِ قَبْلُ وبَعْدُ فَإنَّ الآخِرَ فاعِلٌ مِن غَيْرِ فِعْلٍ والأوَّلَ أفْعَلُ مِن غَيْرِ فاعِلٍ ولا فِعْلَ، وقَبْلُ وبَعْدُ لا فاعِلَ ولا أفْعَلَ فَلا يُفْهَمُ مِن فِعْلٍ أصْلًا؛ لِأنَّ الأوَّلَ أوَّلٌ لِما