< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


فِيهِ مِن مَعْنى قَبْلُ ولَيْسَ قَبْلُ قَبْلًا لِما فِيهِ مِن مَعْنى الأوَّلِ، والآخِرُ آخِرٌ لِما فِيهِ مِن مَعْنى بَعْدُ، ولَيْسَ بَعْدُ بَعْدًا لِما فِيهِ مِن مَعْنى الآخِرِ يَدُلُّكَ عَلَيْهِ أنَّكَ تُعَلِّلُ أحَدَهُما بِالآخَرِ ولا تَعْكِسُهُ، فَتَقُولُ هَذا آخِرُ مَن جاءَ لِأنَّهُ جاءَ بَعْدَ الكُلِّ، ولا تَقُولُ هو جاءَ بَعْدَ الكُلِّ لِأنَّهُ آخِرُ مَن جاءَ، ويُؤَيِّدُهُ أنَّ الآخِرَ لا يَتَحَقَّقُ إلّا بِبَعْدِيَّةٍ مَخْصُوصَةٍ وهي الَّتِي لا بَعْدِيَّةَ بَعْدَها، وبَعْدُ لَيْسَ لا يَتَحَقَّقُ إلّا بِالآخِرِ فَإنَّ المُتَوَسِّطَ بَعْدَ الأوَّلِ لَيْسَ بِآخِرٍ. وهَذا البَحْثُ مِن أبْحاثِ الزَّمانِ ومِنهُ يُعْلَمُ مَعْنى قَوْلِهِ ﷺ: ”«لا تَسُبُّوا الدَّهْرَ [ فَإنَّ الدَّهْرَ هو اللَّهُ» ] “ أيِ الدَّهْرُ هو الَّذِي يُفْهَمُ مِنهُ القَبْلِيَّةُ والبَعْدِيَّةُ، واللَّهُ تَعالى هو الَّذِي يُفْهَمُ مِنهُ ذَلِكَ، والبَعْدِيَّةُ والقَبْلِيَّةُ حَقِيقَةٌ لِإثْباتِ اللَّهِ ولا مَفْهُومَ لِلزَّمانِ إلّا ما بِهِ القَبْلِيَّةُ والبَعْدِيَّةُ فَلا تَسُبُّوا الدَّهْرَ فَإنَّ ما تَفْهَمُونَهُ مِنهُ لا يَتَحَقَّقُ إلّا في اللَّهِ وبِاللَّهِ ولَوْلاهُ لَما كانَ قَبْلُ ولا بَعْدُ.

البَحْثُ الثّانِي: ورَدَ في كَلامِ العَرَبِ الأوْلَةُ تَأْنِيثُ الأوَّلِ وهو يُنافِيهِ صِحَّةُ اسْتِعْمالِ الأُولى لِأنَّ الأُولى تَدُلُّ عَلى أنَّ الأوَّلَ أفْعَلُ لِلتَّفْضِيلِ، وأفْعَلُ لِلتَّفْضِيلِ لا يَلْحَقُهُ تاءُ التَّأْنِيثِ فَلا يُقالُ زَيْدٌ أعْلَمُ وزَيْنَبُ أعْلَمَةٌ لِسَبَبٍ يَطُولُ ذِكْرُهُ، وسَنَذْكُرُهُ في مَوْضِعٍ آخَرَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، نَقُولُ الجَوابُ عَنْهُ: هو أنَّ أوَّلَ لَمّا كانَ أفْعَلَ ولَيْسَ لَهُ فاعِلٌ شابَهَ الأرْبَعَ والأرْنَبَ فَجازَ إلْحاقُ التّاءِ بِهِ، ولَمّا كانَ صِفَةً شابَهَ الأكْبَرَ والأصْغَرَ فَقِيلَ أوْلى.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: أُولى تَدَلُّ عَلى أنَّ أوَّلَ لا يَنْصَرِفُ، فَكَيْفَ يُقالُ أفْعَلُهُ أوَّلًا ويُقالُ جاءَ زَيْدٌ أوَّلًا وعَمْرٌو ثانِيًا ؟ فَإنْ قِيلَ جازَ فِيهِ الأمْرانِ بِناءً عَلى أوْلَةٍ وأُولى فَمَن قالَ بِأنَّ تَأْنِيثَ أوَّلٍ أُولَةٌ فَهو كالأرْبَعِ والأرْبَعَةِ فَجازَ التَّنْوِينُ، ومَن قالَ أُولى لا يَجُوزُ، نَقُولُ إذا كانَ كَذَلِكَ كانَ الأشْهَرُ تَرْكَ التَّنْوِينِ لِأنَّ الأشْهَرَ أنَّ تَأْنِيثَهُ أوْلى

صفحة ٢٦٣

وعَلَيْهِ اسْتِعْمالُ القُرْآنِ، فَإذَنِ الجَوابُ أنَّ عِنْدَ التَّأْنِيثِ الأوْلى أنْ يُقالَ أُولى نَظَرًا إلى المَعْنى، وعِنْدَ العَرَبِ أُولَةٌ لِأنَّهُ هو الأصْلُ ودَلَّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ، وإنْ كانَ أضْعَفَ مِنَ الغَيْرِ ورُبَّما يُقالُ بِأنَّ مَنعَ الصَّرْفِ مِن أفْعَلَ لا يَكُونُ إلّا إذا لَمْ يَكُنْ تَأْنِيثُهُ إلّا فُعْلى، وأمّا إذا كانَ تَأْنِيثُهُ بِالتّاءِ أوْ جازَ ذَلِكَ فِيهِ لا يَكُونُ غَيْرَ مُنْصَرِفٍ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وكَمْ مِن مَلَكٍ في السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهم شَيْئًا إلّا مِن بَعْدِ أنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشاءُ ويَرْضى﴾ .

وقَدْ عُلِمَ وجْهُ تَعَلُّقِها بِما قَبْلَها في الوُجُوهِ المُتَقَدِّمَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلِلَّهِ الآخِرَةُ﴾ إنْ قُلْنا إنَّ مَعْناهُ أنَّ اللّاتَ والعُزّى وغَيْرَهُما لَيْسَ لَهم مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ﴿فَلِلَّهِ الآخِرَةُ والأُولى﴾ فَلا يَجُوزُ إشْراكُهم فَيَقُولُونَ نَحْنُ لا نُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا، وإنَّما نَقُولُ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا، فَقالَ كَيْفَ تَشْفَعُ هَذِهِ ومَن في السَّماواتِ لا يَمْلِكُ الشَّفاعَةَ، وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: (كَمَ) كَلِمَةٌ تُسْتَعْمَلُ في المَقادِيرِ، إمّا لِاسْتِبانَتِها فَتَكُونُ اسْتِفْهامِيَّةً كَقَوْلِكَ كَمْ ذِراعًا طُولُهُ وكَمْ رَجُلًا جاءَكَ أيْ كَمْ عَدَدُ الجائِينَ تَسْتَبِينُ المِقْدارَ وهي مِثْلُ كَيْفَ لِاسْتِبانَةِ الأحْوالِ، وأيُّ لِاسْتِبانَةِ الأفْرادِ، وما لِاسْتِبانَةِ الحَقائِقِ، وإمّا لِبَيانِها عَلى الإجْمالِ فَتَكُونُ خَبَرِيَّةً كَقَوْلِكَ كَمْ رَجُلٌ أكْرَمَنِي أيْ كَثِيرٌ مِنهم أكْرَمُونِي غَيْرَ أنَّ عَلَيْهِ أسْئِلَةً. الأوَّلُ: لِمَ لَمْ يَجُزْ إدْخالُ مِن عَلى الِاسْتِفْهامِيَّةِ وجازَ عَلى الخَبَرِيَّةِ. الثّانِي: لِمَ نُصِبَ مُمَيَّزُ الِاسْتِفْهامِيَّةِ وجُرَّ الَّذِي لِلْخَبَرِيَّةِ. الثّالِثُ: هي تُسْتَعْمَلُ في الخَبَرِيَّةِ في مُقابَلَةِ رُبَّ فَلِمَ جُعِلَ اسْمًا مَعَ أنَّ رُبَّ