< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


قالَ ألْكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى عَلى الحَقِيقَةِ أوْ تَجْعَلُونَ لِأنْفُسِكم ما تَشْتَهُونَ وتَتَمَنَّوْنَ، وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ تِلْكَ﴿إذًا قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ وغَيْرُها جُمَلٌ اعْتَرَضَتْ بَيْنَ كَلامَيْنِ مُتَّصِلَيْنِ.

ثانِيهِما: أنَّها مَحْذُوفَةٌ وتَقْرِيرُ ذَلِكَ هو أنّا بَيَّنّا أنَّ قَوْلَهُ (أفَرَأيْتُمُ) لِبَيانِ فَسادِ قَوْلِهِمْ، والإشارَةِ إلى ظُهُورِ ذَلِكَ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، كَما إذا قالَ قائِلٌ فُلانٌ يَصْلُحُ لِلْمُلْكِ فَيَقُولُ آخَرُ لِثالِثٍ، أما رَأيْتَ هَذا الَّذِي يَقُولُهُ فُلانٌ ولا يَذْكُرُ أنَّهُ لا يَصْلُحُ لِلْمُلْكِ، ويَكُونُ مُرادُهُ ذَلِكَ فَيَذْكُرُهُ وحْدَهُ مِنها عَلى عَدَمِ صَلاحِهِ، فَهَهُنا قالَ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتُمُ اللّاتَ والعُزّى﴾ أيْ يَسْتَحِقّانِ العِبادَةَ أمْ لِلْإنْسانِ أنْ يَعْبُدَ ما يَشْتَهِيهِ طَبْعُهُ وإنْ لَمْ يَكُنْ يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ، وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ أمْ لِلْإنْسانِ أيْ هَلْ لَهُ أنْ يَعْبُدَ بِالتَّمَنِّي والِاشْتِهاءِ، ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما تَهْوى الأنْفُسُ﴾ أيْ عَبَدْتُمْ بِهَوى أنْفُسِكم ما لا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ فَهَلْ لَكَمَ ذَلِكَ ؟

صفحة ٢٦١

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلِلَّهِ الآخِرَةُ والأُولى﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في تَعَلُّقِ الفاءِ بِالكَلامِ وفِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّ تَقْدِيرَهُ الإنْسانُ إذا اخْتارَ مَعْبُودًا في دُنْياهُ عَلى ما تَمَنّاهُ واشْتَهاهُ فَلِلَّهِ الآخِرَةُ والأُولى يُعاقِبُهُ عَلى فِعْلِهِ في الدُّنْيا وإنْ لَمْ يُعاقِبْهُ في الدُّنْيا فَيُعاقِبُهُ في الآخِرَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَمْ مِن مَلَكٍ﴾[ النَّجْمِ: ٢٦] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ﴾[ النَّجْمِ: ٢٦] يَكُونُ مُؤَكِّدًا لِهَذا المَعْنى أيْ عِقابُهم يَقَعُ ولا يَشْفَعُ فِيهِمْ أحَدٌ ولا يُغْنِيهِمْ شَفاعَةُ شافِعٍ.

الثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ اتِّخاذَ اللّاتِ والعُزّى بِاتِّباعِ الظَّنِّ وهَوى الأنْفُسِ كَأنَّهُ قَرَّرَهُ وقالَ إنْ لَمْ تَعْلَمُوا هَذا فَلِلَّهِ الآخِرَةُ والأُولى، وهَذِهِ الأصْنامُ لَيْسَ لَها مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ فَكَيْفَ يَجُوزُ الإشْراكُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَمْ مِن مَلَكٍ﴾ عَلى هَذا الوَجْهِ جَوابُ كَلامٍ، كَأنَّهم قالُوا لا نُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا، وإنَّما هَذِهِ الأصْنامُ شُفَعاؤُنا فَإنَّها صُورَةُ مَلائِكَةٍ مُقَرَّبِينَ، فَقالَ: ﴿وكَمْ مِن مَلَكٍ في السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهم شَيْئًا﴾[ النَّجْمِ: ٢٦] .

الثّالِثُ: هَذِهِ تَسْلِيَةٌ كَأنَّهُ تَعالى قالَ ذَلِكَ لِنَبِيِّهِ حَيْثُ بَيَّنَ رِسالَتَهُ ووَحْدانِيَّةَ اللَّهِ ولَمْ يُؤْمِنُوا فَقالَ لا تَأْسَ ﴿فَلِلَّهِ الآخِرَةُ والأُولى﴾ أيْ لا يُعْجِزُونَ اللَّهَ.

الرّابِعُ: هو تَرْتِيبُ حَقٍّ عَلى دَلِيلِهِ، بَيانُهُ هو أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ رِسالَةَ النَّبِيِّ ﷺ بِقَوْلِهِ ﴿إنْ هو إلّا وحْيٌ يُوحى﴾ إلى آخِرِهِ وبَيَّنَ بَعْضَ ما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ وهو التَّوْحِيدُ، قالَ إذا عَلِمْتُمْ صِدْقَ مُحَمَّدٍ بِبَيانِ رِسالَةِ اللَّهِ تَعالى: ﴿فَلِلَّهِ الآخِرَةُ والأُولى﴾ لِأنَّهُ ﷺ أخْبَرَكم عَنِ الحَشْرِ فَهو صادِقٌ.

الخامِسُ: هو أنَّ الكُفّارَ كانُوا يَقُولُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ أهَؤُلاءِ أهْدى مِنّا ؟ وقالُوا ﴿لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ﴾[ الأحْقافِ: ١١] فَقالَ تَعالى: إنَّ اللَّهَ اخْتارَ لَكُمُ الدُّنْيا وأعْطاكُمُ الأمْوالَ ولَمْ يُعْطِ المُؤْمِنِينَ بَعْضَ ذَلِكَ الأمْرِ بَلْ قُلْتُمْ: لَوْ شاءَ اللَّهُ لَأغْناهم وتَحَقَّقْتُمْ هَذِهِ القَضِيَّةَ ﴿فَلِلَّهِ الآخِرَةُ والأُولى﴾ قُولُوا في الآخِرَةِ ما قُلْتُمْ في الدُّنْيا ﴿اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾[ القَصَصِ: ٥٦] كَما يُغْنِي اللَّهُ ما يَشاءُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: (الآخِرَةُ) صِفَةُ ماذا ؟ نَقُولُ صِفَةُ الحَياةِ أوْ صِفَةُ الدّارِ وهي اسْمُ فاعِلٍ مِن فِعْلٍ غَيْرِ مُسْتَعْمَلٍ، تَقُولُ أخَّرْتُهُ فَتَأخَّرَ وكانَ مِن حَقِّهِ أنْ تَقُولَ فَأُخِّرَ كَما تَقُولُ غَبَّرْتُهُ فَغُبِّرَ فَمُنِعْتَ مِنهُ سَماعًا، ولِهَذا البَحْثِ فائِدَةٌ سَتَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: (الأُولى) فُعْلى لِلتَّأْنِيثِ، فالأوَّلُ إذَنْ أفْعَلُ صِفَةٌ. وفِيهِ مَباحِثُ:

البَحْثُ الأوَّلُ: لا بُدَّ مِن فاعِلٍ أُخِذَ مِنهُ الأفْعَلُ والفُعْلى فَإنَّ كُلَّ فُعْلى وأفْعَلَ لِلتَّأْنِيثِ والتَّذْكِيرِ لَهُ أصْلٌ فَلْيُؤْخَذْ مِنهُ كالفُضْلى والأفْضَلِ مِنَ الفاضِلَةِ