< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


اليَقِينِ والِاعْتِقادُ لَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّ اليَقِينَ لَمْ يَتَعَذَّرْ عَلَيْنا، وإلى هَذا إشارَةٌ بِقَوْلِهِ﴿ولَقَدْ جاءَهم مِن رَبِّهِمُ الهُدى﴾ أيِ اتَّبَعُوا الظَّنَّ، وقَدْ أمْكَنَهُمُ الأخْذُ بِاليَقِينِ، وفي العَمَلِ يَمْتَنِعُ ذَلِكَ أيْضًا.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ”ما“ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما تَهْوى الأنْفُسُ﴾ خَبَرِيَّةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ ؟ نَقُولُ فِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: مَصْدَرِيَّةٌ كَأنَّهُ قالَ: ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ﴾ وهَوى الأنْفُسِ، فَإنْ قِيلَ ما الفائِدَةُ في العُدُولِ عَنْ صَرِيحِ المَصْدَرِ إلى الفِعْلِ مَعَ زِيادَةِ (ما) وِفِيهِ تَطْوِيلٌ ؟ نَقُولُ فِيهِ فائِدَةٌ، وإنَّها في أصْلِ الوَضْعِ ثُمَّ نَذْكُرُها هُنا فَنَقُولُ إذا قالَ القائِلُ أعْجَبَنِي صُنْعُكَ يُعْلَمُ مِنَ الصِّيغَةِ أنَّ الإعْجابَ مِن مَصْدَرٍ قَدْ تَحَقَّقَ وكَذَلِكَ إذا قالَ أعْجَبَنِي ما تَصْنَعُ يُعْلَمُ أنَّ الإعْجابَ مِن مَصْدَرٍ هو فِيهِ فَلَوْ قالَ أعْجَبَنِي صُنْعُكَ ولَهُ صُنْعٌ أمْسِ وصُنْعٌ اليَوْمَ لا يُعْلَمُ أنَّ المُعْجَبَ أيُّ صُنْعٍ هو إذا عَلِمْتَ هَذا فَنَقُولُ هاهُنا قَوْلُهُ ﴿وما تَهْوى الأنْفُسُ﴾ يُعْلَمُ مِنهُ أنَّ المُرادَ أنَّهم يَتَّبِعُونَ

صفحة ٢٦٠

ما تَهْوى أنْفُسُهم في الحالِ والِاسْتِقْبالِ إشارَةٌ إلى أنَّهم لَيْسُوا بِثابِتِينَ عَلى ضَلالٍ واحِدٍ وما هَوَتْ أنْفُسُهم في الماضِي شَيْئًا مِن أنْواعِ العِبادَةِ فالتَزَمُوا بِهِ ودامُوا عَلَيْهِ بَلْ كُلُّ يَوْمٍ هم يَسْتَخْرِجُونَ عِبادَةً، وإذا انْكَسَرَتْ أصْنامُهُمُ اليَوْمَ أتَوْا بِغَيْرِها غَدًا ويُغَيِّرُونَ وضْعَ عِبادَتِهِمْ بِمُقْتَضى شَهْوَتِهِمُ اليَوْمَ. ثانِيهِما: أنَّها خَبَرِيَّةٌ تَقْدِيرُهُ، والَّذِي تَشْتَهِيهِ أنْفُسُهم والفَرْقُ بَيْنَ المَصْدَرِيَّةِ والخَبَرِيَّةِ أنَّ المُتَّبَعَ عَلى الأوَّلِ الهَوى وعَلى الثّانِي مُقْتَضى الهَوى كَما إذا قُلْتُ أعْجَبَنِي مَصْنُوعُكَ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: كَيْفَ قالَ: ﴿وما تَهْوى الأنْفُسُ﴾ بِلَفْظِ الجَمْعِ مَعَ أنَّهم لا يَتَّبِعُونَ ما تَهْواهُ كُلُّ نَفْسٍ فَإنَّ مِنَ النُّفُوسِ ما لا تَهْوى ما تَهْواهُ غَيْرُها ؟ نَقُولُ هو مِن بابِ مُقابَلَةِ الجَمْعِ بِالجَمْعِ مَعْناهُ اتَّبَعَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم ما تَهْواهُ نَفْسُهُ يُقالُ خَرَجَ النّاسُ بِأهْلِيهِمْ أيْ كُلُّ واحِدٍ بِأهْلِهِ لا كُلُّ واحِدٍ بِأهْلِ الجَمْعِ.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: بَيَّنَ لَنا مَعْنى الكَلامِ جُمْلَةً ! نَقُولُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ وما تَهْوى الأنْفُسُ﴾ أمْرانِ مَذْكُورانِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذِكْرُهُما لِأمْرَيْنِ تَقْدِيرٌ بَيْنَ يَتَّبِعُونَ الظَّنَّ في الِاعْتِقادِ ويَتَّبِعُونَ ما تَهْوى الأنْفُسُ في العَمَلِ والعِبادَةِ وكِلاهُما فاسِدٌ، لِأنَّ الِاعْتِقادَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مَبْناهُ عَلى اليَقِينِ، وكَيْفَ يَجُوزُ اتِّباعُ الظَّنِّ في الأمْرِ العَظِيمِ، وكُلَّما كانَ الأمْرُ أشْرَفَ وأخْطَرَ كانَ الِاحْتِياطُ فِيهِ أوْجَبَ وأحْذَرَ، وأمّا العَمَلُ فالعِبادَةُ مُخالِفَةٌ الهَوى فَكَيْفَ تُنْبِئُ عَلى مُتابَعَتِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في أمْرٍ واحِدٍ عَلى طَرِيقَةِ النُّزُولِ دَرَجَةً دَرَجَةً فَقالَ: ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ وما تَهْوى الأنْفُسُ﴾ أيْ وما دُونَ الظَّنِّ لِأنَّ القُرُونَةَ تَهْوى ما لا يُظَنُّ بِهِ خَيْرٌ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ جاءَهم مِن رَبِّهِمُ الهُدى﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهم عَلى حالٍ لا يُعْتَدُّ بِهِ؛ لِأنَّ اليَقِينَ مَقْدُورٌ عَلَيْهِ وتَحَقَّقَ بِمَجِيءِ الرُّسُلِ ﴿والهُدى﴾ فِيهِ وُجُوهٌ ثَلاثَةٌ:

الأُولى: القُرْآنُ.

الثّانِي: الرُّسُلُ.

الثّالِثُ: المُعْجِزاتُ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أمْ لِلْإنْسانِ ما تَمَنّى﴾ المَشْهُورُ أنَّ أمْ مُنْقَطِعَةٌ مَعْناهُ: ألِلْإنْسانِ ما اخْتارَهُ واشْتَهاهُ ؟ وفي ﴿ما تَمَنّى﴾ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: الشَّفاعَةُ تَمَنَّوْها ولَيْسَ لَهم شَفاعَةٌ.

الثّانِي: قَوْلُهم ﴿ولَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾[ فُصِّلَتْ: ٥٠] .

الثّالِثُ: قَوْلُ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ ﴿لَأُوتَيَنَّ مالًا ووَلَدًا﴾[ مَرْيَمَ: ٧٧] .

الرّابِعُ: تَمَنّى جَماعَةٌ أنْ يَكُونُوا أنْبِياءَ ولَمْ تَحْصُلْ لَهم تِلْكَ الدَّرَجَةُ الرَّفِيعَةُ، فَإنْ قُلْتَ هَلْ يُمْكِنُ أنْ تَكُونَ أمْ هاهُنا مُتَّصِلَةً ؟ نَقُولُ نَعَمْ والجُمْلَةُ الأُولى حِينَئِذٍ تَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّها مَذْكُورَةٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى﴾كَأنَّهُ