< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah005
Al-Maaida (5)
The Table, madinah, 120 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
لا نُسَلِّمُ أنَّ هَذِهِ الحَيَواناتِ تَتَألَّمُ عِنْدَ الذَّبْحِ، بَلْ لَعَلَّ اللَّهَ تَعالى يَرْفَعُ ألَمَ الذَّبْحِ عَنْها. وهَذا كالمُكابَرَةِ في الضَّرُورِيّاتِ، وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: لا نُسَلِّمُ أنَّ الإيلامَ قَبِيحٌ مُطْلَقًا، بَلْ إنَّما يَقْبُحُ إذا لَمْ يَكُنْ مَسْبُوقًا بِجِنايَةٍ ولا مُلْحَقًا بِعِوَضٍ، وهَهُنا اللَّهُ سُبْحانَهُ يُعَوِّضُ هَذِهِ الحَيَواناتِ في الآخِرَةِ بِأعْواضٍ شَرِيفَةٍ، وحِينَئِذٍ يَخْرُجُ هَذا الذَّبْحُ عَنْ أنْ يَكُونَ ظُلْمًا، قالُوا: والَّذِي يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ ما قُلْناهُ ما تُقُرِّرَ في العُقُولِ أنَّهُ يَحْسُنُ تَحَمُّلُ ألَمِ الفَصْدِ والحِجامَةِ لِطَلَبِ الصِّحَّةِ، فَإذا حَسُنَ تَحَمُّلُ الألَمِ القَلِيلِ لِأجْلِ المَنفَعَةِ العَظِيمَةِ، فَكَذَلِكَ القَوْلُ في الذَّبْحِ. وقالَ أصْحابُنا: إنَّ الإذْنَ في ذَبْحِ الحَيَواناتِ تَصَرُّفٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى في مُلْكِهِ، والمالِكُ لا اعْتِراضَ عَلَيْهِ إذا تَصَرَّفَ في مُلْكِ نَفْسِهِ، والمَسْألَةُ طَوِيلَةٌ مَذْكُورَةٌ في عِلْمِ الأُصُولِ واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ بَعْضُهم: قَوْلُهُ: ﴿أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ﴾ مُجْمَلٌ؛ لِأنَّ الإحْلالَ إنَّما يُضافُ إلى الأفْعالِ، وهَهُنا أُضِيفَ إلى الذّاتِ فَتَعَذَّرَ إجْراؤُهُ عَلى ظاهِرِهِ فَلا بُدَّ مِن إضْمارِ فِعْلٍ، ولَيْسَ إضْمارُ بَعْضِ
صفحة ١٠٠
الأفْعالِ أوْلى مِن بَعْضٍ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ إحْلالَ الِانْتِفاعِ بِجِلْدِها أوْ عَظْمِها أوْ صُوفِها أوْ لَحْمِها، أوِ المُرادُ إحْلالُ الِانْتِفاعِ بِالأكْلِ، ولا شَكَّ أنَّ اللَّفْظَ مُحْتَمِلٌ لِلْكُلِّ فَصارَتِ الآيَةُ مُجْمَلَةً، إلّا أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكم فِيها دِفْءٌ ومَنافِعُ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾[النَّحْلِ: ٥] دَلَّ عَلى أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ﴾ إباحَةُ الِانْتِفاعِ بِها مِن كُلِّ هَذِهِ الوُجُوهِ.* *
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ قَوْلَهُ: ﴿أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ﴾ ألْحَقَ بِهِ نَوْعَيْنِ مِنَ الِاسْتِثْناءِ:الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿إلّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ واعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ هَذا الِاسْتِثْناءِ مُجْمَلٌ، واسْتِثْناءُ الكَلامِ المُجْمَلِ مِنَ الكَلامِ المُفَصَّلِ يَجْعَلُ ما بَقِيَ بَعْدَ الِاسْتِثْناءِ مُجْمَلًا أيْضًا، إلّا أنَّ المُفَسِّرِينَ أجْمَعُوا عَلى أنَّ المُرادَ مِن هَذا الِاسْتِثْناءِ هو المَذْكُورُ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ وهو قَوْلُهُ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَّمُ ولَحْمُ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ والمُنْخَنِقَةُ والمَوْقُوذَةُ والمُتَرَدِّيَةُ والنَّطِيحَةُ وما أكَلَ السَّبُعُ إلّا ما ذَكَّيْتُمْ وما ذُبِحَ عَلى النُّصُبِ﴾ ووَجْهُ هَذا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ﴾ يَقْتَضِي إحْلالَها لَهم عَلى جَمِيعِ الوُجُوهِ فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّها إنْ كانَتْ مَيْتَةً، أوْ مَوْقُوذَةً أوْ مُتَرَدِّيَةً أوْ نَطِيحَةً أوِ افْتَرَسَها السَّبُعُ أوْ ذُبِحَتْ عَلى غَيْرِ اسْمِ اللَّهِ تَعالى فَهي مُحَرَّمَةٌ.
النَّوْعُ الثّانِي مِنَ الِاسْتِثْناءِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى لَمّا أحَلَّ بَهِيمَةَ الأنْعامِ ذَكَرَ الفَرْقَ بَيْنَ صَيْدِها وغَيْرِ صَيْدِها، فَعَرَفْنا أنَّ ما كانَ مِنها صَيْدًا، فَإنَّهُ حَلالٌ في الإحْلالِ دُونَ الإحْرامِ، وما لَمْ يَكُنْ صَيْدًا فَإنَّهُ حَلالٌ في الحالَيْنِ جَمِيعًا واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ أيْ: مُحْرِمُونَ أيْ: داخِلُونَ في الإحْرامِ بِالحَجِّ والعُمْرَةِ أوْ أحَدِهِما، يُقالُ: أحْرَمَ بِالحَجِّ والعُمْرَةِ فَهو مُحْرِمٌ وحُرُمٌ، كَما يُقالُ: أجَنْبَ فَهو مُجْنِبٌ وجُنُبٌ، ويَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ والجَمْعُ، يُقالُ قَوْمٌ حُرُمٌ كَما يُقالُ قَوْمٌ جُنُبٌ. قالَ تَعالى: ﴿وإنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فاطَّهَّرُوا﴾[المائِدَةِ: ٦٥] .
واعْلَمْ أنّا إذا قُلْنا: أحْرَمَ الرَّجُلُ فَلَهُ مَعْنَيانِ: الأوَّلُ هَذا.
والثّانِي: أنَّهُ دَخَلَ الحَرَمَ. فَقَوْلُهُ: ﴿وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ يَشْتَمِلُ عَلى الوَجْهَيْنِ، فَيَحْرُمُ الصَّيْدُ عَلى مَن كانَ في الحَرَمِ كَما يَحْرُمُ عَلى مَن كانَ مُحْرِمًا بِالحَجِّ أوِ العُمْرَةِ، وهو قَوْلُ الفُقَهاءِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّ الصَّيْدَ حَرامٌ عَلى المُحْرِمِ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا حَلَلْتُمْ فاصْطادُوا﴾فَإنَّ ”إذا“ لِلشَّرْطِ، والمُعَلَّقُ بِكَلِمَةِ الشَّرْطِ عَلى