< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah005
Al-Maaida (5)
The Table, madinah, 120 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
عَداها عَلى الأصْلِ، والشّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - خَصَّصَ هَذا العُمُومَ بِالقِياسِ، وهو أنَّهُ لَوْ حَرُمَ الجَمْعُ لَما نَفَذَ وقَدْ نَفَذَ فَلا يَحْرُمُ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ﴾ .اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قَرَّرَ بِالآيَةِ الأُولى عَلى جَمِيعِ المُكَلَّفِينَ أنَّهُ يَلْزَمُهُمُ الِانْقِيادُ لِجَمِيعِ تَكالِيفِ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ كالأصْلِ الكُلِّيِّ والقاعِدَةِ الجَمِيلَةِ، شَرَعَ بَعْدَ ذَلِكَ في ذِكْرِ التَّكالِيفِ المُفَصَّلَةِ، فَبَدَأ بِذِكْرِ ما يَحِلُّ وما يَحْرُمُ مِنَ المَطْعُوماتِ فَقالَ: ﴿أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالُوا: كُلُّ حَيٍّ لا عَقْلَ لَهُ فَهو بَهِيمَةٌ، مِن قَوْلِهِمْ: اسْتَبْهَمَ الأمْرُ عَلى فُلانٍ إذا أشْكَلَ، وهَذا بابٌ مُبْهَمٌ أيْ: مَسْدُودُ الطَّرِيقِ، ثُمَّ اخْتُصَّ هَذا الِاسْمُ بِكُلِّ ذاتِ أرْبَعٍ في البَرِّ والبَحْرِ، والأنْعامُ هي الإبِلُ والبَقَرُ والغَنَمُ، قالَ تَعالى: ﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكم فِيها دِفْءٌ﴾[النَّحْلِ: ٥ ] إلى قَوْلِهِ: ﴿والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ﴾[النَّحْلِ: ٨] فَفَرَّقَ تَعالى بَيْنَ الأنْعامِ وبَيْنَ الخَيْلِ والبِغالِ والحَمِيرِ. وقالَ تَعالى: ﴿مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا أنْعامًا فَهم لَها مالِكُونَ﴾﴿وذَلَّلْناها لَهم فَمِنها رَكُوبُهم ومِنها يَأْكُلُونَ﴾[يس: ٧٢] وقالَ: ﴿ومِنَ الأنْعامِ حَمُولَةً وفَرْشًا كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾[الأنعام: ١٤٢]
صفحة ٩٩
إلى قَوْلِهِ: ﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ ومِنَ المَعْزِ اثْنَيْنِ﴾[الأنعام: ١٤٣] وإلى قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ الإبِلِ اثْنَيْنِ ومِنَ البَقَرِ اثْنَيْنِ﴾[ الأنْعامِ: ١٤٤] قالَ الواحِدِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: ولا يَدْخُلُ في اسْمِ الأنْعامِ الحافِرُ لِأنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن نُعُومَةِ الوَطْءِ.إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: في لَفْظِ الآيَةِ سُؤالاتٌ:
الأوَّلُ: أنَّ البَهِيمَةَ اسْمُ الجِنْسِ، والأنْعامَ اسْمُ النَّوْعِ فَقَوْلُهُ: ﴿بَهِيمَةُ الأنْعامِ﴾ يَجْرِي مَجْرى قَوْلِ القائِلِ: حَيَوانُ الإنْسانِ وهو مُسْتَدْرَكٌ.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَوْ قالَ: أُحِلَّتْ لَكُمُ الأنْعامُ، لَكانَ الكَلامُ تامًّا بِدَلِيلِ أنَّهُ تَعالى قالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿وأُحِلَّتْ لَكُمُ الأنْعامُ إلّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ فَأيُّ فائِدَةٍ في زِيادَةِ لَفْظِ البَهِيمَةِ في هَذِهِ الآيَةِ.
الثّالِثُ: أنَّهُ ذَكَرَ لَفْظَ البَهِيمَةِ بِلَفْظِ الوُحْدانِ، ولَفْظَ الأنْعامِ بِلَفْظِ الجَمْعِ، فَما الفائِدَةُ فِيهِ ؟
والجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الأوَّلِ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ بِالبَهِيمَةِ وبِالأنْعامِ شَيْءٌ واحِدٌ، وإضافَةُ البَهِيمَةِ إلى الأنْعامِ لِلْبَيانِ، وهَذِهِ الإضافَةُ بِمَعْنى ”مِن“ كَخاتَمِ فِضَّةٍ، ومَعْناهُ البَهِيمَةُ مِنَ الأنْعامِ أوْ لِلتَّأكُّدِ كَقَوْلِنا: نَفْسُ الشَّيْءِ وذاتُهُ وعَيْنُهُ.
الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالبَهِيمَةِ شَيْءٌ وبِالأنْعامِ شَيْءٌ آخَرُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ الظِّباءُ وبَقَرُ الوَحْشِ ونَحْوُها، كَأنَّهم أرادُوا ما يُماثِلُ الأنْعامَ ويُدانِيها مِن جِنْسِ البَهائِمِ في الِاجْتِرارِ وعَدَمِ الأنْيابِ، فَأُضِيفَتْ إلى الأنْعامِ لِحُصُولِ المُشابَهَةِ.
الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِبَهِيمَةِ الأنْعامِ أجِنَّةُ الأنْعامِ. رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّ بَقَرَةً ذُبِحَتْ فَوُجِدَ في بَطْنِها جَنِينٌ، فَأخَذَ ابْنُ عَبّاسٍ بِذَنَبِها وقالَ: هَذا مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ. وعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّها أجِنَّةُ الأنْعامِ، وذَكاتُهُ ذَكاةُ أُمِّهِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذا الوَجْهَ يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في أنَّ الجَنِينَ مُذَكًّى بِذَكاةِ الأُمِّ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَتِ الثَّنَوِيَّةُ: ذَبْحُ الحَيَواناتِ إيلامٌ، والإيلامُ قَبِيحٌ، والقَبِيحُ لا يَرْضى بِهِ الإلَهُ الرَّحِيمُ الحَكِيمُ، فَيَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ الذَّبْحُ حَلالًا مُباحًا بِحُكْمِ اللَّهِ. قالُوا: والَّذِي يُحَقِّقُ ذَلِكَ أنَّ هَذِهِ الحَيَواناتِ لَيْسَ لَها قُدْرَةٌ عَنِ الدَّفْعِ عَنْ أنْفُسِها، ولا لَها لِسانٌ تَحْتَجُّ عَلى مَن قَصَدَ إيلامَها، والإيلامُ قَبِيحٌ إلّا أنَّ إيلامَ مَن بَلَغَ في العَجْزِ والحَيْرَةِ إلى هَذا الحَدِّ أقْبَحُ.
واعْلَمْ أنَّ فِرَقَ المُسْلِمِينَ افْتَرَقُوا فِرَقًا كَثِيرَةً بِسَبَبِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ فَقالَتِ المُكْرَمِيَّةُ: