< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


الشَّيْءِ عَدَمٌ عِنْدَ عَدَمِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، إلّا أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في آيَةٍ أُخْرى أنَّ المُحَرَّمَ عَلى المُحْرِمِ إنَّما هو صَيْدُ البَرِّ لا صَيْدُ البَحْرِ، قالَ تَعالى:﴿أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَحْرِ وطَعامُهُ مَتاعًا لَكم ولِلسَّيّارَةِ وحُرِّمَ عَلَيْكم صَيْدُ البَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُمًا﴾[المائِدَةِ: ٩٦] فَصارَتْ هَذِهِ الآيَةُ بَيانًا لِتِلْكَ الآياتِ المُطْلَقَةِ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: انْتَصَبَ ”غَيْرَ“ عَلى الحالِ مِن قَوْلِهِ: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ﴾ كَما تَقُولُ: أُحِلَّ لَكُمُ الطَّعامُ غَيْرَ مُعْتَدِينَ فِيهِ. قالَ الفَرّاءُ: هو مِثْلُ قَوْلِكِ: أُحِلَّ لَكَ الشَّيْءُ لا مُفَرِّطًا فِيهِ ولا مُتَعَدِّيًا، والمَعْنى أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ

صفحة ١٠١

الأنْعامِ إلّا أنْ تُحِلُّوا الصَّيْدَ في حالِ الإحْرامِ فَإنَّهُ لا يَحِلُّ لَكم ذَلِكَ إذا كُنْتُمْ مُحْرِمِينَ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ﴾ والمَعْنى أنَّهُ تَعالى أباحَ الأنْعامَ في جَمِيعِ الأحْوالِ، وأباحَ الصَّيْدَ في بَعْضِ الأحْوالِ دُونَ بَعْضٍ، فَلَوْ قالَ قائِلٌ: ما السَّبَبُ في هَذا التَّفْصِيلِ والتَّخْصِيصِ كانَ جَوابُهُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى مالِكُ الأشْياءِ وخالِقُها فَلَمْ يَكُنْ عَلى حُكْمِهِ اعْتِراضٌ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وهَذا هو الَّذِي يَقُولُهُ أصْحابُنا إنَّ عِلَّةَ حُسْنِ التَّكْلِيفِ هي الرُّبُوبِيَّةُ والعُبُودِيَّةُ لا ما يَقُولُهُ المُعْتَزِلَةُ مِن رِعايَةِ المَصالِحِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ ولا الشَّهْرَ الحَرامَ ولا الهَدْيَ ولا القَلائِدَ ولا آمِّينَ البَيْتَ الحَرامَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى: لَمّا حَرَّمَ الصَّيْدَ عَلى المُحْرِمِ في الآيَةِ الأُولى أكَّدَ ذَلِكَ بِالنَّهْيِ في هَذِهِ الآيَةِ عَنْ مُخالَفَةِ تَكالِيفِ اللَّهِ تَعالى فَقالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ﴾ .

واعْلَمْ أنَّ الشَّعائِرَ جَمْعٌ، والأكْثَرُونَ عَلى أنَّها جَمْعُ شَعِيرَةٍ. وقالَ ابْنُ فارِسٍ: واحِدُها شَعارَةٌ، والشَّعِيرَةُ فَعِيلَةٌ بِمَعْنى مُفَعَّلَةٍ، والمُشَّعَرَةُ المُعَلَّمَةُ، والأشْعارُ الأعْلامُ، وكُلُّ شَيْءٍ أُشْعِرَ فَقَدْ أُعْلِمُ، وكُلُّ شَيْءٍ جُعِلَ عَلَمًا عَلى شَيْءٍ أوْ عُلِّمَ بِعَلامَةٍ جازَ أنْ يُسَمّى شَعِيرَةً، فالهَدْيُ الَّذِي يُهْدى إلى مَكَّةَ يُسَمّى شَعائِرَ لِأنَّها مُعَلَّمَةٌ بِعَلاماتٍ دالَّةٍ عَلى كَوْنِها هَدْيًا. واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في المُرادِ بِشَعائِرِ اللَّهِ، وفِيهِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ﴾ أيْ: لا تُخِلُّوا بِشَيْءٍ مِن شَعائِرِ اللَّهِ وفَرائِضِهِ الَّتِي حَدَّها لِعِبادِهِ وأوْجَبَها عَلَيْهِمْ، وعَلى هَذا القَوْلِ فَشَعائِرُ اللَّهِ عامٌّ في جَمِيعِ تَكالِيفِهِ غَيْرُ مَخْصُوصٍ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ، ويَقْرُبُ مِنهُ قَوْلُ الحَسَنِ: شَعائِرُ اللَّهِ دِينُ اللَّهِ.

والثّانِي: أنَّ المُرادَ مِنهُ شَيْءٌ خاصٌّ مِنَ التَّكالِيفِ، وعَلى هَذا القَوْلِ فَذَكَرُوا وُجُوهًا:

الأوَّلُ: المُرادُ لا تَحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْكم في حالِ إحْرامِكم مِنَ الصَّيْدِ.

والثّانِي: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَحُجُّونَ البَيْتَ ويُهْدُونَ الهَدايا ويُعَظِّمُونَ المَشاعِرَ ويَنْحَرُونَ، فَأرادَ المُسْلِمُونَ أنْ يُغِيرُوا عَلَيْهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ﴾ .

الثّالِثُ: قالَ الفَرّاءُ: كانَتْ عامَّةُ العَرَبِ لا يَرَوْنَ الصَّفا والمَرْوَةَ مِن شَعائِرِ الحَجِّ ولا يَطُوفُونَ بِهِما، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: لا تَسْتَحِلُّوا تَرْكَ شَيْءٍ مِن مَناسِكِ الحَجِّ وأْتُوا بِجَمِيعِها عَلى سَبِيلِ الكَمالِ والتَّمامِ.

الرّابِعُ: قالَ بَعْضُهم: الشَّعائِرُ هي الهَدايا تُطْعَنُ في أسَنامِها وتُقَلَّدُ لِيُعْلَمَ أنَّها هَدْيٌ، وهو قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ، قالَ: ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والبُدْنَ جَعَلْناها لَكم مِن شَعائِرِ اللَّهِ﴾[الحَجِّ: ٣٦] وهَذا عِنْدِي ضَعِيفٌ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ شَعائِرَ اللَّهِ ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْها الهَدْيَ، والمَعْطُوفُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُغايِرًا لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا الشَّهْرَ الحَرامَ﴾ أيْ: لا تُحِلُّوا الشَّهْرَ الحَرامَ بِالقِتالِ فِيهِ.

واعْلَمْ أنَّ الشَّهْرَ الحَرامَ هو الشَّهْرُ الَّذِي كانَتِ العَرَبُ تُعَظِّمُهُ وتُحَرِّمُ القِتالَ فِيهِ، قالَ تَعالى: ﴿إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ