< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


صفحة ١١٧

(سُورَةُ الأنْعامِ)

مَكِّيَّةٌ إلّا الآياتِ: ٢٠ و٢٣ و٩١ و٩٣ و١١٤ و١٤١ و١٥١ و١٥٢ و١٥٣ فَمَدَنِيَّةٌ، وآياتُها ١٦٥ نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الحِجْرِ

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إنَّها مَكِّيَّةٌ نَزَلَتْ جُمْلَةً واحِدَةً، فامْتَلَأ مِنها الوادِي، وشَيَّعَها سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ، ونَزَلَتِ المَلائِكَةُ فَمَلَأُوا ما بَيْنَ الأخْشَبَيْنِ، فَدَعا الرَّسُولُ ﷺ الكُتّابَ وكَتَبُوها مِن لَيْلَتِهِمْ، إلّا سِتَّ آياتٍ فَإنَّها مَدَنِيّاتٌ ﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكُمْ﴾[الأنْعامِ: ١٥١] إلى آخِرِ الآياتِ الثَّلاثِ، وقَوْلُهُ: ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾[الأنْعامِ: ٩١] الآيَةَ، وقَوْلُهُ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾[الأنْعامِ: ٢١] وعَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”«ما نَزَلَ عَلَيَّ سُورَةٌ مِنَ القُرْآنِ جُمْلَةً غَيْرَ سُورَةِ الأنْعامِ، وما اجْتَمَعَتِ الشَّياطِينُ لِسُورَةٍ مِنَ القُرْآنِ جَمْعَها لَها، وقَدْ بُعِثَ بِها إلَيَّ مَعَ جِبْرِيلَ مَعَ خَمْسِينَ مَلَكًا (أوْ: خَمْسِينَ ألْفَ مَلَكٍ) يَزُفُّونَها ويَحُفُّونَها حَتّى أقَرُّوها في صَدْرِي كَما أُقِرَّ الماءُ في الحَوْضِ، ولَقَدْ أعَزَّنِي اللَّهُ وإيّاكم بِها عِزًّا لا يُذِلُّنا بَعْدَهُ أبَدًا، فِيها دَحْضُ حُجَجِ المُشْرِكِينَ ووَعْدٌ مِنَ اللَّهِ لا يُخْلِفُهُ» “ وعَنِ ابْنِ المُنْكَدِرِ: «لَمّا نَزَلَتْ سُورَةُ الأنْعامِ سَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وقالَ: ”لَقَدْ شَيَّعَ هَذِهِ السُّورَةَ مِنَ المَلائِكَةِ ما سَدَّ الأُفُقَ“» .

قالَ الأُصُولِيُّونَ: هَذِهِ السُّورَةُ اخْتُصَّتْ بِنَوْعَيْنِ مِنَ الفَضِيلَةِ. أحَدُهُما: أنَّها نَزَلَتْ دُفْعَةً واحِدَةً.

والثّانِي: أنَّها شَيَّعَها سَبْعُونَ ألْفًا مِنَ المَلائِكَةِ، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّها مُشْتَمِلَةٌ عَلى دَلائِلِ التَّوْحِيدِ والعَدْلِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ وإبْطالِ مَذاهِبِ المُبْطِلِينَ والمُلْحِدِينَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ عِلْمَ الأُصُولِ في غايَةِ الجَلالَةِ والرِّفْعَةِ، وأيْضًا فَإنْزالُ ما يَدُلُّ عَلى الأحْكامِ قَدْ تَكُونُ المَصْلَحَةُ أنْ يُنْزِلَهُ اللَّهُ تَعالى قَدْرَ حاجَتِهِمْ، وبِحَسَبِ الحَوادِثِ والنَّوازِلِ. وأمّا ما يَدُلُّ عَلى عِلْمِ الأُصُولِ فَقَدْ أنْزَلَهُ اللَّهُ تَعالى جُمْلَةً واحِدَةً، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ تَعَلُّمَ عِلْمِ الأُصُولِ واجِبٌ عَلى الفَوْرِ لا عَلى التَّراخِي.

* *

﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ الكَلامَ المُسْتَقْصى في قَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ قَدْ سَبَقَ في تَفْسِيرِ سُورَةِ الفاتِحَةِ، ولا بَأْسَ بِأنْ نُعِيدَ بَعْضَ تِلْكَ الفَوائِدِ، وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في الفَرْقِ بَيْنَ المَدْحِ والحَمْدِ والشُّكْرِ.

اعْلَمْ أنَّ المَدْحَ أعَمُّ مِنَ الحَمْدِ، والحَمْدَ أعَمُّ مِنَ الشُّكْرِ.

أمّا بَيانُ أنَّ المَدْحَ أعَمُّ مِنَ الحَمْدِ فَلِأنَّ المَدْحَ يَحْصُلُ لِلْعاقِلِ ولِغَيْرِ العاقِلِ، ألا تَرى أنَّهُ كَما يَحْسُنُ مَدْحُ الرَّجُلِ العاقِلِ عَلى أنْواعِ فَضائِلِهِ، فَكَذَلِكَ قَدْ يُمْدَحُ اللُّؤْلُؤُ لِحُسْنِ شَكْلِهِ ولَطافَةِ خِلْقَتِهِ، ويُمْدَحُ الياقُوتُ عَلى نِهايَةِ صَفائِهِ وصَقالَتِهِ، فَيُقالُ: ما أحْسَنَهُ وما أصْفاهُ!، وأمّا الحَمْدُ: فَإنَّهُ لا يَحْصُلُ إلّا لِلْفاعِلِ المُخْتارِ عَلى ما يَصْدُرُ مِنهُ مِنَ الإنْعامِ والإحْسانِ، فَثَبَتَ أنَّ المَدْحَ أعَمُّ مِنَ الحَمْدِ.

وأمّا بَيانُ أنَّ الحَمْدَ أعَمُّ مِنَ الشُّكْرِ، فَلِأنَّ الحَمْدَ عِبارَةٌ عَنْ تَعْظِيمِ الفاعِلِ لِأجْلِ ما صَدَرَ عَنْهُ مِنَ الإنْعامِ سَواءٌ كانَ ذَلِكَ الإنْعامُ واصِلًا إلَيْكَ أوْ إلى غَيْرِكَ، وأمّا الشُّكْرُ فَهو عِبارَةٌ عَنْ تَعْظِيمِهِ لِأجْلِ إنْعامٍ وصَلَ إلَيْكَ وحَصَلَ عِنْدَكَ، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ المَدْحَ أعَمُّ مِنَ الحَمْدِ، وهو أعَمُّ مِنَ الشُّكْرِ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّما لَمْ يَقُلِ المَدْحُ لِلَّهِ لِأنّا بَيَّنّا أنَّ المَدْحَ كَما يَحْصُلُ لِلْفاعِلِ المُخْتارِ، فَقَدْ يَحْصُلُ لِغَيْرِهِ. أمّا الحَمْدُ فَإنَّهُ لا يَحْصُلُ إلّا لِلْفاعِلِ المُخْتارِ. فَكانَ قَوْلُهُ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾تَصْرِيحًا بِأنَّ المُؤَثِّرَ في وُجُودِ هَذا العالَمِ فاعِلٌ مُخْتارٌ خَلَقَهُ بِالقُدْرَةِ والمَشِيئَةِ ولَيْسَ عِلَّةً مُوجِبَةً لَهُ إيجابَ العِلَّةِ لِمَعْلُولِها، ولا شَكَّ أنَّ هَذِهِ الفائِدَةَ

« الصفحة السابقة ص ١ من ٢٤۳ الصفحة التالية »