< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


والعِنادِ اخْتَلَفُوا وأظْهَرُوا النِّزاعَ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾، والمُرادُ أنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يَغْتَرَّ المُبْطِلُ بِنِعَمِ الدُّنْيا، فَإنَّها وإنْ ساوَتْ نِعَمَ المُحِقِّ أوْ زادَتْ عَلَيْها، فَإنَّهُ سَيَرى في الآخِرَةِ ما يَسُوؤُهُ، وذَلِكَ كالزَّجْرِ لَهم، ولَمّا بَيَّنَ تَعالى أنَّهم أعْرَضُوا عَنِ الحَقِّ لِأجْلِ البَغْيِ والحَسَدِ أمَرَ رَسُولَهُ ﷺ بِأنْ يَعْدِلَ عَنْ تِلْكَ الطَّرِيقَةِ، وأنْ يَتَمَسَّكَ بِالحَقِّ، وأنْ لا يَكُونَ لَهُ غَرَضٌ سِوى إظْهارِ الحَقِّ وتَقْرِيرِ الصِّدْقِ، فَقالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الأمْرِ﴾ أيْ عَلى طَرِيقَةٍ ومِنهاجٍ مِن أمْرِ الدِّينِ، فاتَّبِعْ شَرِيعَتَكَ الثّابِتَةَ بِالدَّلائِلِ والبَيِّناتِ، ولا تَتَّبِعْ ما لا حُجَّةَ عَلَيْهِ مِن أهْواءِ الجُهّالِ وأدْيانِهِمُ المَبْنِيَّةِ عَلى الأهْواءِ والجَهْلِ، قالَ الكَلْبِيُّ: إنَّ رُؤَساءَ قُرَيْشٍ قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ وهو بِمَكَّةَ: ارْجِعْ إلى مِلَّةِ آبائِكَ فَهم كانُوا أفْضَلَ مِنكَ وأسَنَّ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّهم لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ أيْ لَوْ مِلْتَ إلى أدْيانِهِمُ الباطِلَةِ فَصِرْتَ مُسْتَحِقًّا لِلْعَذابِ، فَهم لا يَقْدِرُونَ عَلى دَفْعِ عَذابِ اللَّهِ عَنْكَ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ الظّالِمِينَ يَتَوَلّى بَعْضُهم بَعْضًا في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ، ولا ولِيَّ لَهم يَنْفَعُهم في إيصالِ الثَّوابِ وإزالَةِ العِقابِ، وأمّا المُتَّقُونَ المُهْتَدُونَ فاللَّهُ ولِيُّهم وناصِرُهم وهم مُوالُوهُ، وما أبْيَنَ الفَرْقَ بَيْنَ الوَلايَتَيْنِ، ولَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ البَياناتِ الباقِيَةَ النّافِعَةَ، قالَ: ﴿هَذا بَصائِرُ لِلنّاسِ وهُدًى ورَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾، وقَدْ فَسَّرْناهُ في آخِرِ سُورَةِ الأعْرافِ، والمَعْنى هَذا القُرْآنُ بَصائِرُ لِلنّاسِ جَعَلَ ما فِيهِ مِنَ البَياناتِ الشّافِيَةِ والبَيِّناتِ الكافِيَةِ بِمَنزِلَةِ البَصائِرِ في القُلُوبِ، كَما جَعَلَ في سائِرِ الآياتِ رُوحًا وحَياةً، وهو هُدًى مِنَ الضَّلالَةِ، ورَحْمَةٌ مِنَ العَذابِ لِمَن آمَنَ وأيْقَنَ، ولَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى الفَرْقَ بَيْنَ الظّالِمِينَ وبَيْنَ المُتَّقِينَ مِنَ الوَجْهِ الَّذِي تَقَدَّمَ، بَيَّنَ الفَرْقَ بَيْنَهُما مِن وجْهٍ آخَرَ فَقالَ: ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أنْ نَجْعَلَهم كالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾، وفِيهِ مَباحِثُ:

البَحْثُ الأوَّلُ: ﴿أمْ﴾ كَلِمَةٌ وُضِعَتْ لِلِاسْتِفْهامِ عَنْ شَيْءٍ حالَ كَوْنِهِ مَعْطُوفًا عَلى شَيْءٍ آخَرَ، سَواءٌ كانَ ذَلِكَ المَعْطُوفُ مَذْكُورًا أوْ مُضْمَرًا، والتَّقْدِيرُ هَهُنا: أفَيَعْلَمُ المُشْرِكُونَ هَذا، أمْ يَحْسَبُونَ أنّا نَتَوَلّاهم كَما نَتَوَلّى المُتَّقِينَ ؟

البَحْثُ الثّانِي: الِاجْتِراحُ: الِاكْتِسابُ، ومِنهُ الجَوارِحُ، وفُلانٌ جارِحَةُ أهْلِهِ أيْ كاسِبُهم، قالَ تَعالى: ﴿ويَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ﴾[الأنعام: ٦٠] .

البَحْثُ الثّالِثُ: قالَ الكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في عَلِيٍّ وحَمْزَةَ وأبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الجَرّاحِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، وفي ثَلاثَةٍ مِنَ المُشْرِكِينَ: عُتْبَةُ وشَيْبَةُ والوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ، قالُوا لِلْمُؤْمِنِينَ: واللَّهِ ما أنْتُمْ عَلى شَيْءٍ، ولَوْ كانَ ما

صفحة ٢٢٩

تَقُولُونَ حَقًّا لَكانَ حالُنا أفْضَلَ مِن حالِكم في الآخِرَةِ، كَما أنّا أفْضَلُ حالًا مِنكم في الدُّنْيا، فَأنْكَرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ هَذا الكَلامَ، وبَيَّنَ أنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ حالُ المُؤْمِنِ المُطِيعِ مُساوِيًا لِحالِ الكافِرِ العاصِي في دَرَجاتِ الثَّوابِ، ومَنازِلِ السَّعاداتِ.

واعْلَمْ أنَّ لَفْظَ ﴿حَسِبَ﴾ يَسْتَدْعِي مَفْعُولَيْنِ:

أحَدُهُما: الضَّمِيرُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ نَجْعَلَهُمْ﴾ .

والثّانِي: الكافُ في قَوْلِهِ: ﴿كالَّذِينَ آمَنُوا﴾، والمَعْنى: أحَسِبَ - هَؤُلاءِ المُجْتَرِحِينَ - أنْ نَجْعَلَهم أمْثالَ الَّذِينَ آمَنُوا ؟ .

ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا كَمَن كانَ فاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾[السجدة: ١٨]، وقَوْلُهُ: ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا ويَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ﴾﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهم ولَهُمُ اللَّعْنَةُ ولَهم سُوءُ الدّارِ﴾[غافر: ٥١، ٥٢]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ