< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


كالمُجْرِمِينَ ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾[القلم: ٣٥، ٣٦]، وقَوْلُهُ: ﴿أمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كالمُفْسِدِينَ في الأرْضِ أمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كالفُجّارِ﴾[ص: ٢٨] .

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿سَواءً مَحْياهم ومَماتُهُمْ﴾، وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ (سَواءً) بِالنَّصْبِ، والباقُونَ بِالرَّفْعِ، واخْتِيارُ أبِي عُبَيْدٍ النَّصْبُ، أمّا وجْهُ القِراءَةِ بِالرَّفْعِ فَهو أنَّ قَوْلَهُ: ﴿مَحْياهم ومَماتُهُمْ﴾ مُبْتَدَأٌ والجُمْلَةُ في حُكْمِ المُفْرَدِ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى البَدَلِ مِنَ المَفْعُولِ الثّانِي لِقَوْلِهِ: ﴿أمْ نَجْعَلُ﴾ وهو الكافُ في قَوْلِهِ: ﴿كالَّذِينَ آمَنُوا﴾، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ظَنَنْتُ زَيْدًا أبُوهُ مُنْطَلِقٌ، وأمّا وجْهُ القِراءَةِ بِالنَّصْبِ فَقالَ صاحِبُ “ الكَشّافِ “: أجْرى ﴿سَواءً﴾ مُجْرى مُسْتَوِيًا فارْتَفَعَ ﴿مَحْياهم ومَماتُهُمْ﴾ عَلى الفاعِلِيَّةِ وكانَ مُفْرَدًا غَيْرَ جُمْلَةٍ، ومَن قَرَأ: ﴿ومَماتُهُمْ﴾ بِالنَّصْبِ جَعَلَ ﴿مَحْياهم ومَماتُهُمْ﴾ ظَرْفَيْنِ كَمَقْدَمِ الحاجِّ، وخُفُوقِ النَّجْمِ، أيْ سَواءً في مَحْياهم وفي مَماتِهِمْ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن نَصَبَ سَواءً جَعَلَ المَحْيا والمَماتَ بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في نَجْعَلَهم فَيَصِيرُ التَّقْدِيرُ أنْ نَجْعَلَ مَحْياهم ومَماتَهم سَواءً، قالَ: ويَجُوزُ أنْ نَجْعَلَهُ حالًا ويَكُونُ المَفْعُولُ الثّانِي هو الكافُ في قَوْلِهِ: ﴿كالَّذِينَ﴾ .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِقَوْلِهِ: ﴿مَحْياهم ومَماتُهُمْ﴾ قالَ مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: يَعْنِي أحَسِبُوا أنَّ حَياتَهم ومَماتَهم كَحَياةِ المُؤْمِنِينَ ومَوْتِهِمْ ؟ كَلّا، فَإنَّهم يَعِيشُونَ كافِرِينَ ويَمُوتُونَ كافِرِينَ، والمُؤْمِنُونَ يَعِيشُونَ مُؤْمِنِينَ ويَمُوتُونَ مُؤْمِنِينَ، وذَلِكَ لِأنَّ المُؤْمِنَ ما دامَ يَكُونُ في الدُّنْيا فَإنَّهُ يَكُونُ ولِيُّهُ هو اللَّهُ وأنْصارُهُ المُؤْمِنُونَ وحُجَّةُ اللَّهِ مَعَهُ، والكافِرُ بِالضِّدِّ مِنهُ، كَما ذَكَرَهُ في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّ الظّالِمِينَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾، وعِنْدَ القُرْبِ إلى المَوْتِ، فَإنَّ حالَ المُؤْمِنِ ما ذَكَرَهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الجَنَّةَ﴾[النحل: ٣٢]، وحالُ الكافِرِ ما ذَكَرَهُ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾[النحل: ٢٨]، وأمّا في القِيامَةِ فَقالَ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ تَرْهَقُها قَتَرَةٌ﴾[عبس: ٣٨ ٤١]، فَهَذا هو الإشارَةُ إلى بَيانِ وُقُوعِ التَّفاوُتِ بَيْنَ الحالَتَيْنِ.

والوَجْهُ الثّانِي في تَأْوِيلِ الآيَةِ أنْ يَكُونَ المَعْنى إنْكارُ أنْ يَسْتَوُوا في المَماتِ كَما اسْتَوَوْا في الحَياةِ، وذَلِكَ لِأنَّ المُؤْمِنَ والكافِرَ قَدْ يَسْتَوِي مَحْياهم في الصِّحَّةِ والرِّزْقِ والكِفايَةِ بَلْ قَدْ يَكُونُ الكافِرُ أرْجَحَ حالًا مِنَ المُؤْمِنِ، وإنَّما يَظْهَرُ الفَرْقُ بَيْنَهُما في المَماتِ.

والوَجْهُ الثّالِثُ في التَّأْوِيلِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿سَواءً مَحْياهم ومَماتُهُمْ﴾ مُسْتَأْنَفٌ عَلى مَعْنى أنَّ مَحْيا المُسِيئِينَ ومَماتَهم سَواءٌ، فَكَذَلِكَ مَحْيا المُحْسِنِينَ ومَماتُهم، أيْ كُلٌّ يَمُوتُ عَلى حَسَبِ ما عاشَ عَلَيْهِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى صَرَّحَ بِإنْكارِ تِلْكَ التَّسْوِيَةِ فَقالَ: ﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾، وهو ظاهِرٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ ولِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ وأضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وقَلْبِهِ وجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾﴿وقالُوا ما هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما يُهْلِكُنا إلّا الدَّهْرُ وما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ إنْ هم إلّا يَظُنُّونَ﴾﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ما كانَ حُجَّتَهم إلّا أنْ قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يَجْمَعُكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أفْتى بِأنَّ المُؤْمِنَ لا يُساوِي الكافِرَ في دَرَجاتِ السَّعاداتِ، أتْبَعَهُ بِالدَّلالَةِ الظّاهِرَةِ عَلى صِحَّةِ هَذِهِ الفَتْوى، فَقالَ: