< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah045
Al-Jaathiya (45)
Crouching, makkah, 37 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
مِنَ الإثْمِ، كَأنَّهُ قِيلَ لَهم: لا تُكافِئُوهم أنْتُمْ حَتّى نُكافِئَهم نَحْنُ، ثُمَّ ذَكَرَ الحُكْمَ العامَّ فَقالَ:﴿مَن عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾ وهو مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلَّذِينِ يَغْفِرُونَ، ﴿ومَن أساءَ فَعَلَيْها﴾ مَثَلٌ ضَرَبَهُ لِلْكُفّارِ الَّذِينَ كانُوا يُقْدِمُونَ عَلى إيذاءِ الرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ وعَلى ما لا يَحِلُّ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ العَمَلَ الصّالِحَ يَعُودُ بِالنَّفْعِ العَظِيمِ عَلى فاعِلِهِ، والعَمَلَ الرَّدِيءَ يَعُودُ بِالضَّرَرِ عَلى فاعِلِهِ، وأنَّهُ تَعالى أمَرَ بِهَذا ونَهى عَنْ ذَلِكَ لِحَظِّ العَبْدِ لا لِنَفْعٍ يَرْجِعُ إلَيْهِ، وهَذا تَرْغِيبٌ مِنهُ في العَمَلِ الصّالِحِ وزَجْرٌ عَنِ العَمَلِ الباطِلِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا بَنِي إسْرائِيلَ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوَّةَ ورَزَقْناهم مِنَ الطَّيِّباتِ وفَضَّلْناهم عَلى العالَمِينَ﴾﴿وآتَيْناهم بَيِّناتٍ مِنَ الأمْرِ فَما اخْتَلَفُوا إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهم إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾﴿ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الأمْرِ فاتَّبِعْها ولا تَتَّبِعْ أهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾﴿إنَّهم لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وإنَّ الظّالِمِينَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ واللَّهُ ولِيُّ المُتَّقِينَ﴾﴿هَذا بَصائِرُ لِلنّاسِ وهُدًى ورَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أنْ نَجْعَلَهم كالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَواءً مَحْياهم ومَماتُهم ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ أنْعَمَ بِنِعَمٍ كَثِيرَةٍ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، مَعَ أنَّهُ حَصَلَ بَيْنَهُمُ الِاخْتِلافُ عَلى سَبِيلِ البَغْيِ والحَسَدِ، والمَقْصُودُ أنْ يُبَيِّنَ أنَّ طَرِيقَةَ قَوْمِهِ كَطَرِيقَةِ مَن تَقَدَّمَ.
واعْلَمْ أنَّ النِّعَمَ عَلى قِسْمَيْنِ: نِعَمُ الدِّينِ، ونِعَمُ الدُّنْيا، ونِعَمُ الدِّينِ أفْضَلُ مِن نِعَمِ الدُّنْيا، فَلِهَذا بَدَأ اللَّهُ تَعالى بِذِكْرِ نِعَمِ الدِّينِ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا بَنِي إسْرائِيلَ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوَّةَ﴾ والأقْرَبُ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الثَّلاثَةِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُغايِرًا لِصاحِبِهِ، أمّا ﴿الكِتابَ﴾ فَهو التَّوْراةُ، وأمّا ﴿الحُكْمَ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ العِلْمَ والحِكْمَةَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ العِلْمَ بِفَصْلِ الحُكُوماتِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مَعْرِفَةَ أحْكامِ اللَّهِ تَعالى وهو عِلْمُ الفِقْهِ، وأمّا النُّبُوَّةُ فَمَعْلُومَةٌ، وأمّا نِعَمُ الدُّنْيا فَهي المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ورَزَقْناهم مِنَ الطَّيِّباتِ﴾، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى وسَّعَ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا، فَأوْرَثَهم أمْوالَ قَوْمِ فِرْعَوْنَ ودِيارَهم ثُمَّ أنْزَلَ عَلَيْهِمُ المَنَّ والسَّلْوى، ولَمّا بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ أعْطاهم مِن نِعَمِ الدِّينِ ونِعَمِ الدُّنْيا نَصِيبًا وافِرًا، قالَ: ﴿وفَضَّلْناهم عَلى العالَمِينَ﴾ يَعْنِي أنَّهم كانُوا أكْبَرَ دَرَجَةً وأرْفَعَ مَنقَبَةً مِمَّنْ سِواهم في وقْتِهِمْ، فَلِهَذا المَعْنى قالَ المُفَسِّرُونَ: المُرادُ: وفَضَّلْناهم عَنْ عالَمِي زَمانِهِمْ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وآتَيْناهم بَيِّناتٍ مِنَ الأمْرِ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:الأوَّلُ: أنَّهُ آتاهم بَيِّناتٍ مِنَ الأمْرِ، أيْ أدِلَّةً عَلى أُمُورِ الدُّنْيا.
الثّانِي: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي بَيَّنَ لَهم مِن أمْرِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ يُهاجِرُ مِن تِهامَةَ إلى يَثْرِبَ، ويَكُونُ أنْصارُهُ أهْلَ يَثْرِبَ.
الثّالِثُ: المُرادُ ﴿وآتَيْناهم بَيِّناتٍ﴾ أيْ مُعْجِزاتٍ قاهِرَةً عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِمْ، والمُرادُ
صفحة ٢٢٨
مُعْجِزاتُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَما اخْتَلَفُوا إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾، وهَذا مُفَسَّرٌ في سُورَةِ ﴿حم عسق﴾، والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِ هَذا الكَلامِ التَّعَجُّبُ مِن هَذِهِ الحالَةِ، لِأنَّ حُصُولَ العِلْمِ يُوجِبُ ارْتِفاعَ الخِلافِ، وهَهُنا صارَ مَجِيءُ العِلْمِ سَبَبًا لِحُصُولِ الِاخْتِلافِ، وذَلِكَ لِأنَّهم لَمْ يَكُنْ مَقْصُودُهم مِنَ العِلْمِ نَفْسَ العِلْمِ، وإنَّما المَقْصُودُ مِنهُ طَلَبُ الرِّياسَةِ والتَّقَدُّمِ، ثُمَّ هَهُنا احْتِمالاتٌ يُرِيدُ أنَّهم عَلِمُوا ثُمَّ عانَدُوا، ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِالعِلْمِ الدَّلالَةَ الَّتِي تُوَصِّلُ إلى العِلْمِ، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى وضَعَ الدَّلائِلَ والبَيِّناتِ الَّتِي لَوْ تَأمَّلُوا فِيها لَعَرَفُوا الحَقَّ، لَكِنَّهم عَلى وجْهِ الحَسَدِ