< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah095
At-Tin (95)
The Fig, makkah, 8 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
الشَّجَرَةُ المُبارَكَةُ فاكِهَةٌ مِن وجْهٍ وإدامٌ مِن وجْهٍ ودَواءٌ مِن وجْهٍ، وهي في أغْلَبِ البِلادِ لا تَحْتاجُ إلى تَرْبِيَةِ النّاسِ، ثُمَّ لا تَقْتَصِرُ مَنفَعَتُها غِذاءَ بَدَنِكَ، بَلْ هي غِذاءُ السِّراجِ أيْضًا وتَوَلُّدُها في الجِبالِ الَّتِي لا تُوجَدُ فِيها شَيْءٌ مِنَ الدُّهْنِيَّةِ البَتَّةَ وقِيلَ: مَن أخَذَ ورَقَ الزَّيْتُونِ في المَنامِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى، وقالَ مَرِيضٌ لِابْنِ سِيرِينَ: رَأيْتُ في المَنامِ كَأنَّهُ قِيلَ لِي: كُلِ اللّامَيْنِ تُشْفَ، فَقالَ: كُلِ الزَّيْتُونَ فَإنَّهُ لا شَرْقِيَّةٌ ولا غَرْبِيَّةٌ، ثُمَّ قالَ المُفَسِّرُونَ: التِّينُ والزَّيْتُونُ اسْمٌ لِهَذَيْنِ المَأْكُولَيْنِ وفِيهِما هَذِهِ المَنافِعُ الجَلِيلَةُ، فَوَجَبَ إجْراءُ اللَّفْظِ عَلى الظّاهِرِ، والجَزْمُ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى أقْسَمَ بِهِما لِما فِيهِما مِن هَذِهِ المَصالِحِ والمَنافِعِ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ هاتَيْنِ الثَّمَرَتَيْنِ، ثُمَّ ذَكَرُوا وُجُوهًا:
أحَدُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُما جَبَلانِ مِنَ الأرْضِ المُقَدَّسَةِ، يُقالُ لَهُما: بِالسُّرْيانِيَّةِ طُورَ تِينا، وطُورَ زِيتا، لِأنَّهُما مَنبَتا التِّينِ والزَّيْتُونِ، فَكَأنَّهُ تَعالى أقْسَمَ بِمَنابِتِ الأنْبِياءِ، فالجَبَلُ المُخْتَصُّ بِالتِّينِ لِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ. والزَّيْتُونُ الشَّأْمُ مَبْعَثُ أكْثَرِ أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ، والطُّورُ مَبْعَثُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، والبَلَدُ الأمِينُ مَبْعَثُ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَيَكُونُ المُرادُ مِنَ القَسَمِ في الحَقِيقَةِ تَعْظِيمَ الأنْبِياءِ وإعْلاءَ دَرَجاتِهِمْ.
وثانِيها: أنَّ المُرادَ مِنَ التِّينِ والزَّيْتُونِ مَسْجِدانِ، ثُمَّ قالَ ابْنُ زَيْدٍ: التِّينُ مَسْجِدُ دِمَشْقَ والزَّيْتُونُ مَسْجِدُ بَيْتِ المَقْدِسِ، وقالَ آخَرُونَ: التِّينُ مَسْجِدُ أصْحابِ أهْلِ الكَهْفِ، والزَّيْتُونُ مَسْجِدُ إيلِيا، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ التِّينُ مَسْجِدُ نُوحٍ المَبْنِيُّ عَلى الجُودِيِّ، والزَّيْتُونُ مَسْجِدُ بَيْتِ المَقْدِسِ، والقائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ إنَّما ذَهَبُوا إلَيْهِ لِأنَّ القَسَمَ بِالمَسْجِدِ أحْسَنُ لِأنَّهُ مَوْضِعُ العِبادَةِ والطّاعَةِ، فَلَمّا كانَتْ هَذِهِ المَساجِدُ في هَذِهِ المَواضِعِ الَّتِي يَكْثُرُ فِيها التِّينُ والزَّيْتُونُ، لا جَرَمَ اكْتَفى بِذِكْرِ التِّينِ والزَّيْتُونِ.
وثالِثُها: المُرادُ مِنَ التِّينِ والزَّيْتُونِ بَلَدانِ، فَقالَ كَعْبٌ: التِّينُ دِمَشْقُ والزَّيْتُونُ بَيْتُ المَقْدِسِ، وقالَ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ: التِّينُ الكُوفَةُ، والزَّيْتُونُ الشّامُ، وعَنِ الرَّبِيعِ هُما جَبَلانِ بَيْنَ هَمْدانَ وحُلْوانَ، والقائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ، إنَّما ذَهَبُوا إلَيْهِ لِأنَّ اليَهُودَ والنَّصارى والمُسْلِمِينَ ومُشْرِكِي قُرَيْشٍ كُلُّ واحِدٍ مِنهم يُعَظِّمُ بَلْدَةً مِن هَذِهِ البِلادِ،
صفحة ١١
فاللَّهُ تَعالى أقْسَمَ بِهَذِهِ البِلادِ بِأسْرِها، أوْ يُقالُ: إنْ دِمَشْقَ وبَيْتَ المَقْدِسِ فِيهِما نِعَمُ الدُّنْيا، والطُّورَ ومَكَّةَ فِيهِما نِعَمُ الدِّينِ.أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وطُورِ سِينِينَ﴾ فالمُرادُ مِن (الطُّورِ) الجَبَلُ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ تَعالى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَيْهِ، واخْتَلَفُوا في ﴿سِينِينَ﴾ والأوْلى عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ أنْ يَكُونَ سِينِينَ وسِينا اسْمَيْنِ لِلْمَكانِ الَّذِي حَصَلَ فِيهِ الجَبَلُ أُضِيفا إلى ذَلِكَ المَكانِ، وأمّا المُفَسِّرُونَ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عِكْرِمَةَ: (الطُّورُ) الجَبَلُ (وسِينِينَ) الحَسَنُ بِلُغَةِ الحَبَشَةِ، وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿سِينِينَ﴾ المُبارَكُ، وقالَ الكَلْبِيُّ: هو الجَبَلُ المُشَجَّرُ ذُو الشَّجَرِ، وقالَ مُقاتِلٌ: كُلُّ جَبَلٍ فِيهِ شَجَرٌ مُثْمِرٌ فَهو سِينِينَ وسِينا بِلُغَةِ النَّبَطِ قالَ الواحِدِيُّ: والأوْلى أنْ يَكُونَ سِينِينَ اسْمًا لِلْمَكانِ الَّذِي بِهِ الجَبَلُ، ثُمَّ لِذَلِكَ سُمِّيَ سِينِينَ أوْ سِينا لِحُسْنِهِ أوْ لِكَوْنِهِ مُبارَكًا، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ سِينِينَ نَعْتًا لِلطُّورِ لِإضافَتِهِ إلَيْهِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهَذا البَلَدِ الأمِينِ﴾ فالمُرادُ مَكَّةُ والأمِينُ: الآمِنُ، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: مِن أمِنَ الرَّجُلَ أمانَةً فَهو أمِينٌ وأمانَتُهُ أنْ يَحْفَظَ مَن دَخَلَهُ كَما يَحْفَظُ الأمِينُ ما يُؤْتَمَنُ عَلَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ فَعِيلًا بِمَعْنى مَفْعُولٍ مِن أمِنَهُ لِأنَّهُ مَأْمُونُ الغَوائِلِ، كَما وُصِفَ بِالأمْنِ في قَوْلِهِ: ﴿حَرَمًا آمِنًا﴾[القَصَصِ: ٥٧] يَعْنِي ذا أمْنٍ، وذَكَرُوا في كَوْنِهِ أمِينًا وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى حَفِظَهُ عَنِ الفِيلِ عَلى ما يَأْتِيكَ شَرْحُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
وثانِيها: أنَّها تَحْفَظُ لَكَ جَمِيعَ الأشْياءِ فَمُباحُ الدَّمِ عِنْدَ الِالتِجاءِ