< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


إلَيْها آمِنٌ مِنَ السِّباعِ، والصُّيُودُ تَسْتَفِيدُ مِنها الحِفْظَ عِنْدَ الِالتِجاءِ إلَيْها.

وثالِثُها: ما رُوِيَ أنَّ عُمَرَ كانَ يُقَبِّلُ الحَجَرَ، ويَقُولُ: إنَّكَ حَجَرٌ لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ ولَوْلا أنِّي رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُقَبِّلُكَ ما قَبَّلْتُكَ، فَقالَ لَهُ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ: أما إنَّهُ يَضُرُّ ويَنْفُعُ إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أخَذَ عَلى ذُرِّيَّةِ آدَمَ المِيثاقَ كَتَبَهُ في رِقٍّ أبْيَضَ، وكانَ لِهَذا الرُّكْنِ يَوْمَئِذٍ لِسانٌ وشَفَتانِ وعَيْنانِ، فَقالَ: افْتَحْ فاكَ فَألْقَمَهُ ذَلِكَ الرِّقَّ وقالَ: تَشْهَدُ لِمَن وافاكَ بِالمُوافاةِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَقالَ عُمَرُ: لا بَقِيتُ في قَوْمٍ لَسْتَ فِيهِمْ يا أبا الحَسَنِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ المُرادُ مِنَ الإنْسانِ هَذِهِ الماهِيَّةُ والتَّقْوِيمُ تَصْيِيرُ الشَّيْءِ عَلى ما يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ في التَّأْلِيفِ والتَّعْدِيلِ، يُقالُ: قَوَّمْتُهُ تَقْوِيمًا فاسْتَقامَ وتَقَوَّمَ، وذَكَرُوا في شَرْحِ ذَلِكَ الحُسْنِ وُجُوهًا:

أحَدُها: أنَّهُ تَعالى خَلَقَ كُلَّ ذِي رُوحٍ مُكِبًّا عَلى وجْهِهِ إلّا الإنْسانَ فَإنَّهُ تَعالى خَلَقَهُ مَدِيدَ القامَةِ يَتَناوَلُ مَأْكُولَهُ بِيَدِهِ، وقالَ الأصَمُّ: في أكْمَلِ عَقْلٍ وفَهْمٍ وأدَبٍ وعِلْمٍ وبَيانٍ، والحاصِلُ أنَّ القَوْلَ الأوَّلَ راجِعٌ إلى الصُّورَةِ الظّاهِرَةِ، والثّانِي إلى السِّيرَةِ الباطِنَةِ، وعَنْ يَحْيى بْنِ أكْثَمَ القاضِي أنَّهُ فَسَّرَ التَّقْوِيمَ بِحُسْنِ الصُّورَةِ، فَإنَّهُ حَكى أنَّ مَلِكَ زَمانِهِ خَلا بِزَوْجَتِهِ في لَيْلَةٍ مُقْمِرَةٍ، فَقالَ: إنْ لَمْ تَكُونِي أحْسَنَ مِنَ القَمَرِ فَأنْتِ كَذا، فَأفْتى الكُلُّ بِالحِنْثِ إلّا يَحْيى بْنَ أكْثَمَ فَإنَّهُ قالَ: لا يَحْنَثُ، فَقِيلَ لَهُ: خالَفْتَ شُيُوخَكَ، فَقالَ: الفَتْوى بِالعِلْمِ ولَقَدْ أفْتى مَن هو أعْلَمُ مِنّا وهو اللَّهُ تَعالى فَإنَّهُ يَقُولُ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ وكانَ بَعْضُ الصّالِحِينَ يَقُولُ: إلَهَنا أعْطَيْتَنا في الأُولى أحْسَنَ الأشْكالِ، فَأعْطِنا في الآخِرَةِ أحْسَنَ الفِعالِ، وهو العَفْوُ عَنِ الذُّنُوبِ، والتَّجاوُزُ عَنِ العُيُوبِ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ أرْذَلَ العُمُرِ، وهو مِثْلُ قَوْلِهِ: يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ، قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: السّافِلُونَ هُمُ الضُّعَفاءُ والزَّمْنى، ومَن لا يَسْتَطِيعُ حِيلَةً ولا يَجِدُ سَبِيلًا، يُقالُ: سَفَلَ يَسْفُلُ فَهو سافِلٌ وهم سافِلُونَ، كَما يُقالُ: عَلا يَعْلُو فَهو عالٍ وهم عالُونَ، أرادَ أنَّ الهَرِمَ يُخَرِّفُ ويَضْعُفُ سَمْعُهُ وبَصَرُهُ وعَقْلُهُ وتَقِلُّ حِيلَتُهُ ويَعْجِزُ عَنْ عَمَلِ الصّالِحاتِ، فَيَكُونُ أسْفَلَ الجَمِيعِ، وقالَ الفَرّاءُ: ولَوْ كانَتْ أسْفَلَ سافِلٍ لَكانَ صَوابًا، لِأنَّ لَفْظَ الإنْسانِ واحِدٌ، وأنْتَ تَقُولُ: هَذا أفْضَلُ قائِمٍ ولا تَقُولُ: أفْضَلُ قائِمِينَ، إلّا أنَّهُ قِيلَ: سافِلِينَ عَلى الجَمْعِ لِأنَّ الإنْسانَ في مَعْنى جَمْعٍ فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾[الزُّمَرِ: ٣٣] وقالَ: ﴿وإنّا إذا أذَقْنا الإنْسانَ مِنّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها وإنْ تُصِبْهُمْ﴾[الشُّورى: ٤٨] .

والقَوْلُ الثّانِي: ما ذَكَرَهُ مُجاهِدٌ والحَسَنُ ثُمَّ رَدَدْناهُ إلى النّارِ، قالَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ: وضَعَ أبْوابَ جَهَنَّمَ بَعْضَها أسْفَلَ مِن بَعْضٍ، فَيَبْدَأُ بِالأسْفَلِ فَيَمْلَأُ وهو أسْفَلُ سافِلِينَ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالمَعْنى ثُمَّ رَدَدْناهُ إلى أسْفَلِ سافِلِينَ إلى النّارِ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ فاعْلَمْ أنَّ هَذا الِاسْتِثْناءَ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ مُنْقَطِعٌ، والمَعْنى ولَكِنِ الَّذِينَ كانُوا صالِحِينَ مِنَ الهَرْمى فَلَهم ثَوابٌ دائِمٌ عَلى طاعَتِهِمْ وصَبْرِهِمْ عَلى ابْتِلاءِ اللَّهِ إيّاهم بِالشَّيْخُوخَةِ والهَرَمِ، وعَلى مُقاساةِ المَشاقِّ والقِيامِ بِالعِبادَةِ وعَلى تَخاذُلِ نُهُوضِهِمْ، وأمّا عَلى القَوْلِ الثّانِي فالِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ ظاهِرُ الِاتِّصالِ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: غَيْرُ مَنقُوصٍ ولا مَقْطُوعٍ.

وثانِيهِما: أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ أيْ لا يَمُنُّ بِهِ عَلَيْهِمْ، واعْلَمْ أنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِن صِفاتِ الثَّوابِ، لِأنَّهُ يَجِبُ