< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


الأكْبَرِ لِاجْتِماعِ المُسْلِمِينَ والمُشْرِكِينَ فِيهِ، ومُوافَقَتِهِ لِأعْيادِ أهْلِ الكِتابِ، ولَمْ يَتَّفِقْ ذَلِكَ قَبْلَهُ ولا بَعْدَهُ، فَعَظُمَ ذَلِكَ اليَوْمُ في قَلْبِ كُلِّ مُؤْمِنٍ وكافِرٍ، طَعَنَ الأصَمُّ في هَذا الوَجْهِ وقالَ: عِيدُ الكُفّارِ فِيهِ سُخْطٌ، وهَذا الطَّعْنُ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ المُرادَ أنْ ذَلِكَ اليَوْمَ يَوْمٌ اسْتَعْظَمَهُ جَمِيعُ الطَّوائِفِ، وكانَ مَن وصَفَهُ بِالأكْبَرِ أُولَئِكَ.

والرّابِعُ: سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأنَّ المُسْلِمِينَ والمُشْرِكِينَ حَجُّوا في تِلْكَ السَّنَةِ.

والخامِسُ: الأكْبَرُ الوُقُوفُ بِعَرَفَةَ، والأصْغَرُ النَّحْرُ، وهو قَوْلُ عَطاءٍ ومُجاهِدٍ.

السّادِسُ: الحَجُّ الأكْبَرُ القِرانُ والأصْغَرُ الإفْرادُ، وهو مَنقُولٌ عَنْ مُجاهِدٍ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ الأذانَ بِأيِّ شَيْءٍ كانَ، فَقالَ: ﴿أنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ ورَسُولُهُ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ:

البَحْثُ الأوَّلُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿أنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ ورَسُولُهُ﴾ فَما الفائِدَةُ في هَذا التَّكْرِيرِ ؟

والجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:

الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ المَقْصُودَ مِنَ الكَلامِ الأوَّلِ الإخْبارُ بِثُبُوتِ البَراءَةِ، والمَقْصُودَ مِن هَذا الكَلامِ إعْلامُ جَمِيعِ النّاسِ بِما حَصَلَ وثَبَتَ.

والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِنَ الكَلامِ الأوَّلِ البَراءَةُ مِنَ العَهْدِ، ومِنَ الكَلامِ الثّانِي البَراءَةُ الَّتِي هي نَقِيضُ المُوالاةِ الجارِيَةِ مَجْرى الزَّجْرِ والوَعِيدِ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى حُصُولِ هَذا الفَرْقِ أنَّ في البَراءَةِ الأُولى بَرِئَ إلَيْهِمْ، وفي الثّانِيَةِ: بَرِئَ مِنهم، والمَقْصُودُ أنَّهُ تَعالى أمَرَ في آخِرِ سُورَةِ الأنْفالِ المُسْلِمِينَ بِأنْ يُوالِيَ بَعْضُهم

صفحة ١٧٨

بَعْضًا، ونَبَّهَ بِهِ عَلى أنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ لا يُوالُوا الكُفّارَ وأنْ يَتَبَرَّءُوا مِنهم، فَهَهُنا بَيَّنَ أنَّهُ تَعالى كَما يَتَوَلّى المُؤْمِنِينَ فَهو يَتَبَرَّأُ عَنِ المُشْرِكِينَ ويَذُمُّهم ويَلْعَنُهم، وكَذَلِكَ الرَّسُولُ، ولِذَلِكَ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ التَّوْبَةِ المُزِيلَةِ لِلْبَراءَةِ.

والوَجْهُ الثّالِثُ: في الفَرْقِ أنَّهُ تَعالى في الكَلامِ الأوَّلِ أظْهَرَ البَراءَةَ عَنِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ عاهَدُوا ونَقَضُوا العَهْدَ، وفي هَذِهِ الآيَةِ أظْهَرَ البَراءَةَ عَنِ المُشْرِكِينَ مِن غَيْرِ أنْ وصَفَهم بِوَصْفٍ مُعَيَّنٍ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ المُوجِبَ لِهَذِهِ البَراءَةِ كُفْرُهم وشِرْكُهم.

البَحْثُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿أنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ فِيهِ حَذْفٌ والتَّقْدِيرُ: ﴿وأذانٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ بِأنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ إلّا أنَّهُ حَذَفَ الباءَ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَإنْ تُبْتُمْ﴾ أيْ عَنِ الشِّرْكِ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ وذَلِكَ تَرْغِيبٌ مِنَ اللَّهِ في التَّوْبَةِ والإقْلاعِ عَنِ الشِّرْكِ المُوجِبِ لِكَوْنِ اللَّهِ ورَسُولِهِ مَوْصُوفَيْنِ بِالبَراءَةِ مِنهُ﴿وإنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ أيْ أعْرَضْتُمْ عَنِ التَّوْبَةِ عَنِ الشِّرْكِ﴿فاعْلَمُوا أنَّكم غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾ وذَلِكَ وعِيدٌ عَظِيمٌ؛ لِأنَّ هَذا الكَلامَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ تَعالى قادِرًا عَلى إنْزالِ أشَدِّ العَذابِ بِهِمْ.

ثُمَّ قالَ: ﴿وبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ في الآخِرَةِ لِكَيْ لا يَظُنَّ أنَّ عَذابَ الدُّنْيا لَمّا فاتَ وزالَ، فَقَدْ تَخَلَّصَ عَنِ العَذابِ، بَلِ العَذابُ الشَّدِيدُ مُعَدٌّ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ، ولَفْظُ البِشارَةِ ورَدَ هَهُنا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ كَما يُقالُ: تَحِيَّتُهُمُ الضَّرْبُ وإكْرامُهُمُ الشَّتْمُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكم شَيْئًا ولَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكم أحَدًا فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهم إلى مُدَّتِهِمْ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ .

هَذا الِاسْتِثْناءُ إلى أيِّ شَيْءٍ عادَ ؟ فِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: إنَّهُ عائِدٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿بَراءَةٌ﴾ والتَّقْدِيرُ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ إلى المُشْرِكِينَ المُعاهِدِينَ إلّا مِنَ الَّذِينَ لَمْ يَنْقُضُوا العَهْدَ.

والثّانِي: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وجْهُهُ أنْ يَكُونَ مُسْتَثْنًى مِن قَوْلِهِ: ﴿فَسِيحُوا في الأرْضِ﴾ لِأنَّ الكَلامَ خِطابٌ لِلْمُسْلِمِينَ، والتَّقْدِيرُ: بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنهم ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكم فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهم.

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَهم بِأمْرَيْنِ:

أحَدُهُما: قَوْلُهُ: