< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


﴿ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ﴾ .

والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿ولَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكم أحَدًا﴾ .

والأقْرَبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الأوَّلِ أنْ يُقْدِمُوا عَلى المُحارَبَةِ بِأنْفُسِهِمْ، ومِنَ الثّانِي أنْ يُهَيِّجُوا أقْوامًا آخَرِينَ ويَنْصُرُوهم ويُرَغِّبُوهم في الحَرْبِ، ثُمَّ قالَ: ﴿فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ﴾ والمَعْنى أنَّ الَّذِينَ ما غَدَرُوا مِن هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ، فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهم، ولا تَجْعَلُوا الوافِينَ كالغادِرِينَ. وقَوْلُهُ: ﴿فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ﴾ أيْ أدُّوهُ إلَيْهِمْ تامًّا كامِلًا. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَقِيَ لِحَيٍّ مِن كِنانَةَ مِن عَهْدِهِمْ تِسْعَةُ أشْهُرٍ فَأتَمَّ إلَيْهِمْ عَهْدَهم،﴿إنَّ اللَّهَ﴾

صفحة ١٧٩

﴿يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ يَعْنِي أنَّ قَضِيَّةَ التَّقْوى أنْ لا يُسَوّى بَيْنَ القَبِيلَتَيْنِ أوْ يَكُونُ المُرادُ أنَّ هَذِهِ الطّائِفَةَ لَمّا أنِفُوا النَّكْثَ ونَقْضَ العَهْدِ، اسْتَحَقُّوا مِنَ اللَّهِ أنْ يُصانَ عَهْدُهم أيْضًا عَنِ النَّقْضِ والنَّكْثِ، رُوِيَ أنَّهُ «عَدَتْ بَنُو بَكْرٍ عَلى بَنِي خُزاعَةَ في حالِ غَيْبَةِ رَسُولِ اللَّهِ وظاهَرَتْهم قُرَيْشٌ بِالسِّلاحِ، حَتّى وفَدَ عَمْرُو بْنُ سالِمٍ الخُزاعِيُّ عَلى رَسُولِ اللَّهِ فَأنْشَدَهُ:

اللَّهُمَّ إنِّي ناشِدٌ مُحَمَّدا

حِلْفَ أبِينا وأبِيكَ الأتْلَدا

إنَّ قُرَيْشًا أخْلَفُوكَ المَوْعِدا

ونَقَضُوا ذِمامَكَ المُؤَكَّدا

هم بَيَّتُونا بِالحَطِيمِ هُجَّدا

وقَتَلُونا رُكَّعًا وسُجَّدا

فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”لا نُصِرْتُ إنْ لَمْ أنْصُرْكُمْ“»
وقُرِئَ ”لَمْ يَنْقُضُوكم“ بِالضّادِ المُعْجَمَةِ أيْ لَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَكم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهم وخُذُوهم واحْصُرُوهم واقْعُدُوا لَهم كُلَّ مَرْصَدٍ فَإنْ تابُوا وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهم إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ اللَّيْثُ: يُقالُ سَلَخْتُ الشَّهْرَ إذا خَرَجْتَ مِنهُ، وكَشَفَ أبُو الهَيْثَمِ عَنْ هَذا المَعْنى فَقالَ: يُقالُ: أهْلَلْنا هِلالَ شَهْرِ كَذا، أيْ دَخَلْنا فِيهِ ولَبِسْناهُ، فَنَحْنُ نَزْدادُ كُلَّ لَيْلَةٍ إلى مُضِيِّ نِصْفِهِ لِباسًا مِنهُ، ثُمَّ نَسْلَخُهُ عَنْ أنْفُسِنا بَعْدَ تَكامُلِ النِّصْفِ مِنهُ جُزْءًا، حَتّى نَسْلَخَهُ عَنْ أنْفُسِنا، وأنْشَدَ:

إذا ما سَلَخْتُ الشَّهْرَ أهْلَلْتُ مِثْلَهُ كَفى قاتِلًا سَلْخِي الشُّهُورَ وإهْلالِي

وأقُولُ: تَمامُ البَيانِ فِيهِ أنَّ الزَّمانَ مُحِيطٌ بِالشَّيْءِ وظَرْفٌ لَهُ، كَما أنَّ المَكانَ مُحِيطٌ بِهِ وظَرْفٌ لَهُ ومَكانُ الشَّيْءِ عِبارَةٌ عَنِ السَّطْحِ الباطِنِ مِنَ الجِسْمِ الحاوِي المُماسِّ لِلسَّطْحِ الظّاهِرِ، ومِنَ الجِسْمِ المَحْوِيِّ فَإذا انْسَلَخَ الشَّيْءُ مِن جِلْدِهِ فَقَدِ انْفَصَلَ مِنَ السَّطْحِ الباطِنِ مِن ذَلِكَ الجِلْدِ وذَلِكَ السَّطْحِ، وهو مَكانُهُ في الحَقِيقَةِ فَكَذَلِكَ إذا تَمَّ الشَّهْرُ فَقَدِ انْفَصَلَ عَنْ إحاطَةِ ذَلِكَ الشَّهْرِ بِهِ، ودَخَلَ في شَهْرٍ آخَرَ، والسَّلْخُ اسْمٌ لِانْفِصالِ الشَّيْءِ عَنْ مَكانِهِ المُعَيَّنِ، فَجُعِلَ أيْضًا اسْمًا لِانْفِصالِهِ عَنْ زَمانِهِ المُعَيَّنِ، لِما بَيْنَ المَكانِ والزَّمانِ مِنَ المُناسَبَةِ التّامَّةِ الشَّدِيدَةِ، وأمّا الأشْهُرُ الحُرُمُ فَقَدْ فَسَّرْناها في قَوْلِهِ: ﴿فَسِيحُوا في الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ﴾ وهي يَوْمُ النَّحْرِ إلى العاشِرِ مِن رَبِيعٍ الآخِرِ، والمُرادُ مِن كَوْنِها حُرُمًا أنَّ اللَّهَ حَرَّمَ القَتْلَ والقِتالَ فِيها، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى عِنْدَ انْقِضاءِ هَذِهِ الأشْهُرِ الحُرُمِ أذِنَ في أرْبَعَةِ أشْياءَ:

أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿واقْتُلُوهم حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾[النِّساءِ: ٨٩] وذَلِكَ أمْرٌ بِقَتْلِهِمْ عَلى الإطْلاقِ، في أيِّ وقْتٍ، وأيِّ مَكانٍ.

وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿وخُذُوهُمْ﴾ أيْ بِالأسْرِ، والأخِيذُ الأسِيرُ.

صفحة ١٨٠

وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿واحْصُرُوهُمْ﴾ مَعْنى الحَصْرِ المَنعُ مِنَ الخُرُوجِ مِن مُحِيطٍ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ إنْ تَحَصَّنُوا فاحْصُرُوهم، وقالَ الفَرّاءُ: حَصْرُهم أنْ يُمْنَعُوا مِنَ البَيْتِ الحَرامِ.

ورابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واقْعُدُوا لَهم كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ والمَرْصَدُ المَوْضِعُ الَّذِي يُرْقَبُ فِيهِ العَدُوُّ مِن قَوْلِهِمْ: رَصَدْتُ فُلانًا أرْصُدُهُ إذا تَرَقَّبْتُهُ، قالَ المُفَسِّرُونَ: المَعْنى اقْعُدُوا لَهم عَلى كُلِّ طَرِيقٍ يَأْخُذُونَ فِيهِ إلى البَيْتِ أوْ إلى الصَّحْراءِ أوْ إلى التِّجارَةِ، قالَ الأخْفَشُ: في الكَلامِ مَحْذُوفٌ والتَّقْدِيرُ: اقْعُدُوا لَهم عَلى كُلِّ مَرْصَدٍ.

*