< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


والعَذابِ في الآخِرَةِ، وقالَ الزَّجّاجُ: هَذا ضَمانٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لِنُصْرَةِ المُؤْمِنِينَ عَلى الكافِرِينَ والإخْزاءِ والإذْلالِ مَعَ إظْهارِ الفَضِيحَةِ والعارِ، والخِزْيِ والنَّكالِ الفاضِحِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأذانٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى النّاسِ يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ أنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ ورَسُولُهُ فَإنْ تُبْتُمْ فَهو خَيْرٌ لَكم وإنْ تَوَلَّيْتُمْ فاعْلَمُوا أنَّكم غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ جُمْلَةٌ تامَّةٌ، مَخْصُوصَةٌ بِالمُشْرِكِينَ، وقَوْلَهُ: ﴿وأذانٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى النّاسِ يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ﴾ جُمْلَةٌ أُخْرى تامَّةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الأُولى وهي عامَّةٌ في حَقِّ جَمِيعِ النّاسِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مِمّا يَجِبُ أنْ يَعْرِفَهُ المُؤْمِنُ والمُشْرِكُ مِن حَيْثُ كانَ الحُكْمُ المُتَعَلِّقُ بِذَلِكَ يَلْزَمُهُما جَمِيعًا، فَيَجِبُ عَلى المُؤْمِنِينَ أنْ يَعْرِفُوا الوَقْتَ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ القِتالُ مِنَ الوَقْتِ الَّذِي يَحْرُمُ فِيهِ، فَأمَرَ اللَّهُ تَعالى بِهَذا الإعْلامِ يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ، وهو الجَمْعُ الأعْظَمُ لِيَصِلَ ذَلِكَ الخَبَرُ إلى الكُلِّ ويَشْتَهِرَ، وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: الأذانُ الإعْلامُ، قالَ الأزْهَرِيُّ: يُقالُ آذَنْتُهُ أُوذِنُهُ إيذانًا، فالأذانُ اسْمٌ يَقُومُ مَقامَ الإيذانِ، وهو المَصْدَرُ الحَقِيقِيُّ، ومِنهُ أذانُ الصَّلاةِ، وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى النّاسِ﴾ أيْ أذانٌ صادِرٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ، واصِلٌ إلى النّاسِ، كَقَوْلِكَ: إعْلامٌ صادِرٌ مِن فُلانٍ إلى فُلانٍ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في يَوْمِ الحَجِّ الأكْبَرِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عِكْرِمَةَ إنَّهُ يَوْمُ عَرَفَةَ، وهو قَوْلُ

صفحة ١٧٧

عُمَرَ وسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، وابْنِ الزُّبَيْرِ، وعَطاءٍ، وطاوُسٍ، ومُجاهِدٍ، وإحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْ عَلِيٍّ، ورِوايَةٌ عَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وهو أنَّهُ قالَ: «خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ، فَقالَ: أمّا بَعْدُ فَإنَّ هَذا يَوْمُ الحَجِّ الأكْبَرِ» . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في رِوايَةِ عَطاءٍ: يَوْمُ الحَجِّ الأكْبَرِ يَوْمُ النَّحْرِ، وهو قَوْلُ الشَّعْبِيِّ والنَّخَعِيِّ والسُّدِّيِّ وأحَدُ الرِّوايَتَيْنِ عَنْ عَلِيٍّ، وقَوْلُ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، والقَوْلُ الثّالِثُ ما رَواهُ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: يَوْمُ الحَجِّ الأكْبَرِ أيّامُ مِنى كُلُّها، وهو مَذْهَبُ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ، وكانَ يَقُولُ: يَوْمُ الحَجِّ الأكْبَرِ أيّامُهُ كُلُّها، ويَقُولُ: يَوْمُ صِفِّينَ، ويَوْمُ الجَمَلِ يُرادُ بِهِ الحِينُ والزَّمانُ؛ لِأنَّ كُلَّ حَرْبٍ مِن هَذِهِ الحُرُوبِ دامَتْ أيّامًا كَثِيرَةً.

حُجَّةُ مَن قالَ: يَوْمُ عَرَفَةَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«الحَجُّ عَرَفَةُ» “ ولِأنَّ أعْظَمَ أعْمالِ الحَجِّ هو الوُقُوفُ بِعَرَفَةَ؛ لِأنَّ مَن أدْرَكَهُ فَقَدْ أدْرَكَ الحَجَّ، ومَن فاتَهُ فَقَدْ فاتَهُ الحَجُّ، وذَلِكَ إنَّما يَحْصُلُ في هَذا اليَوْمِ، وحُجَّةُ مَن قالَ إنَّهُ يَوْمُ النَّحْرِ، هي أنَّ أعْمالَ الحَجِّ إنَّما تَتِمُّ في هَذا اليَوْمِ، وهي الطَّوافُ والنَّحْرُ والحَلْقُ والرَّمْيُ، وعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ رَجُلًا أخَذَ بِلِجامِ دابَّتِهِ فَقالَ: ما الحَجُّ الأكْبَرُ ؟ قالَ: يَوْمُكَ هَذا، خَلِّ عَنْ دابَّتِي، وعَنِ ابْنِ عُمَرَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وقَفَ يَوْمَ النَّحْرِ عِنْدَ الجَمَراتِ في حَجَّةِ الوَداعِ، فَقالَ: هَذا يَوْمُ الحَجِّ الأكْبَرِ»، وأمّا قَوْلُ مَن قالَ: المُرادُ مَجْمُوعُ تِلْكَ الأيّامِ فَبَعِيدٌ؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي تَفْسِيرَ اليَوْمِ بِالأيّامِ الكَثِيرَةِ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ.

فَإنْ قِيلَ: لِمَ سُمِّيَ ذَلِكَ بِالحَجِّ الأكْبَرِ ؟

قُلْنا فِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّ هَذا هو الحَجُّ الأكْبَرُ؛ لِأنَّ العُمْرَةَ تُسَمّى الحَجَّ الأصْغَرَ.

الثّانِي: أنَّهُ جَعَلَ الوُقُوفَ بِعَرَفَةَ هو الحَجَّ الأكْبَرَ؛ لِأنَّهُ مُعْظَمُ واجِباتِهِ لِأنَّهُ إذا فاتَ فاتَ الحَجُّ، وكَذَلِكَ إنْ أُرِيدَ بِهِ يَوْمُ النَّحْرِ؛ لِأنَّ ما يُفْعَلُ فِيهِ مُعْظَمُ أفْعالِ الحَجِّ الأكْبَرِ.

الثّالِثُ: قالَ الحَسَنُ: سُمِّيَ ذَلِكَ اليَوْمُ بِيَوْمِ الحَجِّ