< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّهُ تَعالى أوَّلُ ما أنْزَلَ عَلَيْهِ هو قَوْلُهُ:﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾[العلق: ٢] هَذا إشارَةٌ إلى الخَلْقِ، ثُمَّ قالَ: ﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾[العلق: ٣] وهَذا إشارَةٌ إلى الهِدايَةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أعادَ ذِكْرَ تِلْكَ الحُجَّةِ في هَذِهِ السُّورَةِ، فَقالَ: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾﴿والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ وإنَّما وقَعَ الِاسْتِدْلالُ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ كَثِيرًا لِما ذَكَرْنا أنَّ العَجائِبَ والغَرائِبَ في هَذِهِ الطَّرِيقَةِ أكْثَرُ، ومُشاهَدَةَ الإنْسانِ لَها، واطِّلاعَهُ عَلَيْها أتَمُّ، فَلا جَرَمَ كانَتْ أقْوى في الدَّلالَةِ، ثُمَّ هاهُنا مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿خَلَقَ فَسَوّى﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ النّاسَ خاصَّةً، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الحَيَوانَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ، فَمَن حَمَلَهُ عَلى الإنْسانِ ذَكَرَ لِلتَّسْوِيَةِ وُجُوهًا.

أحَدُها: أنَّهُ جَعَلَ قامَتَهُ مُسْتَوِيَةً مُعْتَدِلَةً وخِلْقَتَهُ حَسَنَةً، عَلى ما قالَ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾[التين: ٤] وأثْنى عَلى نَفْسِهِ بِسَبَبِ خَلْقِهِ إيّاهُ، فَقالَ: ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾[المؤمنون: ١٤] .

وثانِيها: أنَّ كُلَّ حَيَوانٍ فَإنَّهُ مُسْتَعِدٌّ لِنَوْعٍ واحِدٍ مِنَ الأعْمالِ فَقَطْ، وغَيْرُ مُسْتَعِدٍّ لِسائِرِ الأعْمالِ، أمّا الإنْسانُ فَإنَّهُ خُلِقَ بِحَيْثُ يُمْكِنُهُ أنْ يَأْتِيَ بِجَمِيعِ أفْعالِ الحَيَواناتِ بِواسِطَةِ آلاتٍ مُخْتَلِفَةٍ فالتَّسْوِيَةُ إشارَةٌ إلى هَذا.

وثالِثُها: أنَّهُ هُيِّئَ لِلتَّكْلِيفِ والقِيامِ بِأداءِ العِباداتِ.

وأمّا مَن حَمَلَهُ عَلى جَمِيعِ الحَيَواناتِ، قالَ: المُرادُ أنَّهُ أعْطى كُلَّ حَيَوانٍ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ مِن أعْضاءٍ وآلاتٍ وحَواسٍّ، وقَدِ اسْتَقْصَيْنا القَوْلَ في هَذا البابِ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مِن هَذا الكِتابِ، وأمّا مَن حَمَلَهُ عَلى جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ، قالَ: المُرادُ مِنَ التَّسْوِيَةِ هو أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ عالِمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، خَلَقَ ما أرادَ عَلى وفْقِ ما أرادَ مَوْصُوفًا بِوَصْفِ الإحْكامِ والإتْقانِ، مُبَرَّأً عَنِ الفَسْخِ والِاضْطِرابِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ الجُمْهُورُ: ”قَدَّرَ“ مُشَدَّدَةً وقَرَأ الكِسائِيُّ عَلى التَّخْفِيفِ، أمّا قِراءَةُ التَّشْدِيدِ فالمَعْنى أنَّهُ قَدَّرَ كُلَّ شَيْءٍ بِمِقْدارٍ مَعْلُومٍ، وأمّا التَّخْفِيفُ فَقالَ القَفّالُ: مَعْناهُ مَلَكَ فَهَدى وتَأْوِيلُهُ: أنَّهُ خَلَقَ فَسَوّى، ومَلَكَ ما خَلَقَ، أيْ تَصَرَّفَ فِيهِ كَيْفَ شاءَ وأرادَ، وهَذا هو المِلْكُ فَهَداهُ لِمَنافِعِهِ ومَصالِحِهِ، ومِنهم مَن قالَ: هُما لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، وعَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقَدَرْنا فَنِعْمَ القادِرُونَ﴾[المرسلات: ٢٣] بِالتَّشْدِيدِ والتَّخْفِيفِ.

صفحة ١٢٧

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّ قَوْلَهُ: (قَدَّرَ) يَتَناوَلُ المَخْلُوقاتِ في ذَواتِها وصِفاتِها كُلَّ واحِدٍ عَلى حَسَبِهِ فَقَدَّرَ السَّماواتِ والكَواكِبَ والعَناصِرَ والمَعادِنَ والنَّباتَ والحَيَوانَ والإنْسانَ بِمِقْدارٍ مَخْصُوصٍ مِنَ الجُثَّةِ والعِظَمِ، وقَدَّرَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنها مِنَ البَقاءِ مُدَّةً مَعْلُومَةً ومِنَ الصِّفاتِ والألْوانِ والطَّعُومِ والرَّوائِحِ والأُيُونِ والأوْضاعِ والحُسْنِ والقُبْحِ والسَّعادَةِ والشَّقاوَةِ والهِدايَةِ والضَّلالَةِ مِقْدارًا مَعْلُومًا عَلى ما قالَ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾[الحجر: ٢١] وتَفْصِيلُ هَذِهِ الجُمْلَةِ مِمّا لا يَفِي بِشَرْحِهِ المُجَلَّداتُ، بَلِ العالَمُ كُلُّهُ مِن أعْلى عِلِّيِّينَ إلى أسْفَلِ السّافِلِينَ، تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ. وتَفْصِيلُ هَذِهِ الجُمْلَةِ.

أمّا قَوْلُهُ: (فَهَدى) فالمُرادُ أنَّ كُلَّ مِزاجٍ فَإنَّهُ مُسْتَعِدٌّ لِقُوَّةٍ خاصَّةٍ وكُلَّ قُوَّةٍ فَإنَّها لا تَصْلُحُ إلّا لِفِعْلٍ مُعَيَّنٍ، فالتَّسْوِيَةُ والتَّقْدِيرُ عِبارَةٌ عَنِ التَّصَرُّفِ في الأجْزاءِ الجُسْمانِيَّةِ وتَرْكِيبِها عَلى وجْهٍ خاصٍّ لِأجْلِهِ تَسْتَعِدُّ لِقَبُولِ تِلْكَ القُوى، وقَوْلُهُ: (فَهَدى) عِبارَةٌ عَنْ خَلْقِ تِلْكَ القُوى في تِلْكَ الأعْضاءِ بِحَيْثُ تَكُونُ كُلُّ قُوَّةٍ مَصْدَرًا لِفِعْلٍ مُعَيَّنٍ، ويَحْصُلُ مِن مَجْمُوعِها تَمامُ المَصْلَحَةِ، ولِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِ وُجُوهٌ، قالَ مُقاتِلٌ: هَدى الذَّكَرَ لِلْأُنْثى كَيْفَ يَأْتِيها، وقالَ آخَرُونَ: هَداهُ لِلْمَعِيشَةِ ورَعاهُ، وقالَ آخَرُونَ: هَدى الإنْسانَ لِسُبُلِ الخَيْرِ والشَّرِّ والسَّعادَةِ والشَّقاوَةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ جَعَلَهُ حَسّاسًا دَرّاكًا مُتَمَكِّنًا مِنَ الإقْدامِ عَلى ما يَسُرُّهُ