< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah087
Al-A'laa (87)
The Most High, makkah, 19 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
مِن جَمِيعِ الأشْياءِ وأمّا إنْ كانَ غَيْرَ مُتَناهٍ فالقَوْلُ: بِوُجُودِ أبْعادٍ غَيْرِ مُتَناهِيَةٍ مُحالٌ وأيْضًا فَلِأنَّهُ إنْ كانَ غَيْرَ مُتَناهٍ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ ذاتُهُ تَعالى مُخْتَلِطَةً بِالقاذُوراتِ تَعالى اللَّهَ عَنْهُ، وإنْ كانَ غَيْرَ مُتَناهٍ مِن بَعْضِ الجِهاتِ ومُتَناهِيًا مِن بَعْضِ الجِهاتِ كانَ الجانِبُ المُتَناهِي مُغايِرًا لِلْجانِبِ غَيْرِ المُتَناهِي فَيَكُونُ مُرَكَّبًا مِن جُزْأيْنِ، وكُلُّ مُرَكَّبٍ مُمْكِنٌ، فَواجِبُ الوُجُودِ لِذاتِهِ مُمْكِنُ الوُجُودِ، وهَذا مُحالٌ. فَثَبَتَ أنَّ العُلُوَّ هاهُنا لَيْسَ بِمَعْنى العُلُوِّ في الجِهَةِ، مِمّا يُؤَكِّدُ ذَلِكَ أنَّ ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ وما بَعْدَها يُنافِي أنْ يَكُونَ المُرادُ هو العُلُوُّ بِالجِهَةِ، أمّا ما قَبْلَ الآيَةِ فَلِأنَّ العُلُوَّ عِبارَةٌ عَنْ كَوْنِهِ في غايَةِ البُعْدِ عَنِ العالَمِ، وهَذا لا يُناسِبُ اسْتِحْقاقَ التَّسْبِيحِ والثَّناءِ والتَّعْظِيمِ، أمّا العُلُوُّ بِمَعْنى كَمالِ القُدْرَةِ والتَّفَرُّدِ بِالتَّخْلِيقِ والإبْداعِ فَيُناسِبُ ذَلِكَ، والسُّورَةُ هاهُنا مَذْكُورَةٌ لِبَيانِ وصْفِهِ تَعالى بِما لِأجْلِهِ يَسْتَحِقُّ الحَمْدَ والثَّناءَ والتَّعْظِيمَ، وأمّا ما بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ فَلِأنَّهُ أرْدَفَ قَوْلَهُ: (الأعْلى) بِقَوْلِهِ:﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ والخالِقِيَّةُ تُناسِبُ العُلُوَّ بِحَسَبِ القُدْرَةِ لا العُلُوَّ بِحَسَبِ الجِهَةِ.
* * *
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: مِنَ المُلْحِدِينَ مَن قالَ: بِأنَّ القُرْآنَ مُشْعِرٌ بِأنَّ لِلْعالَمِ رَبَّيْنِ أحَدُهُما عَظِيمٌ والآخَرُ أعْلى مِنهُ، أمّا العَظِيمُ فَقَوْلُهُ: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ وأمّا الأعْلى مِنهُ فَقَوْلُهُ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ فَهَذا يَقْتَضِي وُجُوبَ رَبٍّ آخَرَ يَكُونُ هَذا أعْلى بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ.واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا دَلَّتِ الدَّلائِلُ عَلى أنَّ الصّانِعَ تَعالى واحِدٌ سَقَطَ هَذا السُّؤالُ، ثُمَّ نَقُولُ لَيْسَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلى مِن رَبٍّ آخَرَ، بَلْ لَيْسَ فِيهِ إلّا أنَّهُ أعْلى، ثُمَّ لَنا فِيهِ تَأْوِيلاتٌ.
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى أعْلى وأجَلُّ وأعْظَمُ مِن كُلِّ ما يَصِفُهُ بِهِ الواصِفُونَ، ومِن كُلِّ ذِكْرٍ يَذْكُرُهُ بِهِ الذّاكِرُونَ، فَجَلالُ كِبْرِيائِهِ أعْلى مِن مَعارِفِنا وإدْراكاتِنا، وأصْنافُ آلائِهِ ونَعْمائِهِ أعْلى مِن حَمْدِنا وشُكْرِنا، وأنْواعُ حُقُوقِهِ أعْلى مِن طاعاتِنا وأعْمالِنا.
الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: (الأعْلى) تَنْبِيهٌ عَلى اسْتِحْقاقِ اللَّهِ التَّنْزِيهَ مِن كُلِّ نَقْصٍ فَكَأنَّهُ قالَ سُبْحانَهُ فَإنَّهُ: (الأعْلى) أيْ فَإنَّهُ العالِي عَلى كُلِّ شَيْءٍ بِمُلْكِهِ وسُلْطانِهِ وقُدْرَتِهِ، وهو كَما تَقُولُ: اجْتَنَبْتُ الخَمْرَ المُزِيلَةَ لِلْعَقْلِ أيِ اجْتَنَبْتُها بِسَبَبِ كَوْنِها مُزِيلَةً لِلْعَقْلِ.
صفحة ١٢٦
والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالأعْلى العالِيَ كَما أنَّ المُرادَ بِالأكْبَرِ الكَبِيرُ.المَسْألَةُ السّابِعَةُ: رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يُحِبُّ هَذِهِ السُّورَةَ ويَقُولُ: ”«لَوْ عَلِمَ النّاسُ عِلْمَ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى لَرَدَّدَها أحَدُهم سِتَّ عَشْرَةَ مَرَّةً» “ ورُوِيَ: ”أنَّ عائِشَةَ مَرَّتْ بِأعْرابِيٍّ يُصَلِّي بِأصْحابِهِ فَقَرَأ: (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى، الَّذِي يُسِرُّ عَلى الحُبْلى، فَأخْرَجَ مِنها نَسَمَةً تَسْعى، مِن بَيْنِ صِفاقٍ وحَشا، ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى، ألا بَلى ألا بَلى) فَقالَتْ عائِشَةُ: لا آبَ غائِبُكم، ولا زالَتْ نِساؤُكم في لَزْبَةٍ“ واللَّهُ أعْلَمُ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾﴿والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا أمَرَ بِالتَّسْبِيحِ، فَكَأنَّ سائِلًا قالَ: الِاشْتِغالُ بِالتَّسْبِيحِ إنَّما يَكُونُ بَعْدَ المَعْرِفَةِ، فَما الدَّلِيلُ عَلى وُجُودِ الرَّبِّ ؟ فَقالَ: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾﴿والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ واعْلَمْ أنَّ الِاسْتِدْلالَ بِالخَلْقِ والهِدايَةِ هي الطَّرِيقَةُ المُعْتَمَدَةُ عِنْدَ أكابِرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمْ السَّلامُ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ ما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، أنَّهُ قالَ: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾[الشعراء: ٧٨] وحَكى عَنْ فِرْعَوْنَ أنَّهُ لَمّا قالَ لِمُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ: ﴿فَمَن رَبُّكُما يامُوسى﴾[طه: ٤٩] ؟ قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾[طه: ٥٠]وأمّا مُحَمَّدٌ