< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah087
Al-A'laa (87)
The Most High, makkah, 19 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
والإحْجامِ عَمّا يَسُوءُهُ كَما قالَ:﴿إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا﴾[الإنسان: ٣] وقالَ: ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾[الشمس: ٨] وقالَ السُّدِّيُّ: قَدَّرَ مُدَّةَ الجَنِينِ في الرَّحِمِ ثُمَّ هَداهُ لِلْخُرُوجِ وقالَ الفَرّاءُ: قَدَّرَ فَهَدى وأضَلَّ، فاكْتَفى بِذِكْرِ إحْداهُما: كَقَوْلِهِ: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾[النحل: ٨١] وقالَ آخَرُونَ: الهِدايَةُ بِمَعْنى الدُّعاءِ إلى الإيمانِ كَقَوْلِهِ: ﴿وإنَّكَ لَتَهْدِي﴾[الشورى: ٥٢] أيْ تَدْعُو، وقَدْ دُعِيَ الكُلُّ إلى الإيمانِ، وقالَ آخَرُونَ: هَدى أيْ دَلَّهم بِأفْعالِهِ عَلى تَوْحِيدِهِ وجَلالِ كِبْرِيائِهِ، ونُعُوتِ صَمَدِيَّتِهِ، وفَرْدانِيَّتِهِ، وذَلِكَ لِأنَّ العاقِلَ يَرى في العالَمِ أفْعالًا مُحْكَمَةً مُتْقَنَةً مُنْتَسِقَةً مُنْتَظِمَةً، فَهي لا مَحالَةَ تَدُلُّ عَلى الصّانِعِ القَدِيمِ، وقالَ قَتادَةُ في قَوْلِهِ: (فَهَدى) إنَّ اللَّهَ تَعالى ما أكْرَهَ عَبْدًا عَلى مَعْصِيَةٍ، ولا عَلى ضَلالَةٍ، ولا رَضِيَها لَهُ ولا أمَرَهُ بِها، ولَكِنْ رَضِيَ لَكم بِالطّاعَةِ، وأمَرَكم بِها، ونَهاكم عَنِ المَعْصِيَةِ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الأقْوالَ عَلى كَثْرَتِها لا تَخْرُجُ عَنْ قِسْمَيْنِ، فَمِنهم مَن حَمَلَ قَوْلَهُ: (فَهَدى) عَلى ما يَتَعَلَّقُ بِالدِّينِ كَقَوْلِهِ: ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾[البلد: ١٠] ومِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى ما يَرْجِعُ إلى مَصالِحِ الدُّنْيا، والأوَّلُ أقْوى، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾﴿والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ يَرْجِعُ إلى أحْوالِ الدُّنْيا، ويَدْخُلُ فِيهِ إكْمالُ العَقْلِ والقُوى، ثُمَّ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: (فَهَدى) أيْ كَلَّفَهُ ودَلَّهُ عَلى الدِّينِ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بَيَّنَ ما يَخْتَصُّ بِهِ النّاسُ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ ما يَخْتَصُّ بِهِ غَيْرُ النّاسِ مِنَ النَّعَمِ: فَقالَ: ﴿والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى﴾ أيْ هو القادِرُ عَلى إنْباتِ العُشْبِ لا الأصْنامُ الَّتِي عَبَدَتْها الكَفَرَةُ، والمَرْعى ما تُخْرِجُهُ الأرْضُ مِنَ النَّباتِ ومِنَ الثِّمارِ والزُّرُوعِ والحَشِيشِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَرْعى الكَلَأُ الأخْضَرُ، ثُمَّ قالَ: فَجَعَلَهُ غُثاءً أحْوى وفِيهِ مَسْألَتانِ:
* * *
المَسْألَةُ الأُولى: الغُثاءُ ما يَبُسَ مِنَ النَّبْتِ فَحَمَلَتْهُ الأوْدِيَةُ والمِياهُ وألْوَتْ بِهِ الرِّياحُ، وقالَ قُطْرُبٌ واحِدُ الغُثاءِ غُثاءَةٌ.المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الحَوَّةُ السَّوادُ، وقالَ بَعْضُهم: الأحْوى هو الَّذِي يَضْرِبُ إلى السَّوادِ إذا أصابَتْهُ رُطُوبَةٌ، وفي أحْوى قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ نَعْتُ الغُثاءِ أيْ صارَ بَعْدَ الخُضْرَةِ يابِسًا فَتَغَيَّرَ إلى السَّوادِ، وسَبَبُ ذَلِكَ
صفحة ١٢٨
السَّوادِ أُمُورٌ. أحَدُها: أنَّ العُشْبَ إنَّما يَجِفُّ عِنْدَ اسْتِيلاءِ البَرْدِ عَلى الهَواءِ، ومِن شَأْنِ البُرُودَةِ أنَّها تُبَيِّضُ الرَّطِبَ وتُسَوِّدُ اليابِسَ.وثانِيها: أنْ يَحْمِلَها السَّيْلُ فَيَلْصَقُ بِها أجْزاءٌ كَدِرَةٌ فَتَسْوَدُّ.
وثالِثُها: أنْ يَحْمِلَها الرِّيحُ فَتَلْصَقُ بِها الغُبارُ الكَثِيرُ فَتَسْوَدُّ.
القَوْلُ الثّانِي: وهو اخْتِيارُ الفَرّاءِ وأبِي عُبَيْدَةَ، وهو أنْ يَكُونَ الأحْوى هو الأسْوَدُ لِشِدَّةِ خُضْرَتِهِ، كَما قِيلَ: ”مُدْهامَّتانِ“ أيْ سَوْداوانِ لِشِدَّةِ خُضْرَتِهِما، والتَّقْدِيرُ الَّذِي أخْرَجَ المَرْعى أحْوى فَجَعَلَهُ غُثاءً، كَقَوْلِهِ: ﴿ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا﴾﴿قَيِّمًا﴾[الكهف: ١] أيْ أُنْزِلَ قَيِّمًا ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾﴿إلّا ما شاءَ اللَّهُ إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ وما يَخْفى﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ مُحَمَّدًا بِالتَّسْبِيحِ فَقالَ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ وعَلَّمَ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ ذَلِكَ التَّسْبِيحَ لا يَتِمُّ ولا يَكْمُلُ إلّا بِقِراءَةِ ما أنْزَلَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ مِنَ القُرْآنِ، لِما بَيَّنّا أنَّ التَّسْبِيحَ الَّذِي يَلِيقُ بِهِ هو الَّذِي يَرْتَضِيهِ لِنَفْسِهِ، فَلا جَرَمَ كانَ يَتَذَكَّرُ القُرْآنَ في نَفْسِهِ مَخافَةَ أنْ يَنْسى فَأزالَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ الخَوْفَ عَنْ قَلْبِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الواحِدِيُّ: ”﴿سَنُقْرِئُكَ﴾“ أيْ سَنَجْعَلُكَ قارِئًا بِأنْ نُلْهِمَكَ القِراءَةَ فَلا تَنْسى ما تَقْرَؤُهُ، والمَعْنى نَجْعَلُكَ قارِئًا لِلْقُرْآنِ تَقْرَؤُهُ فَلا تَنْساهُ، قالَ مُجاهِدٌ ومُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ: كانَ عَلَيْهِ السَّلامُ إذا