< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


إلّا بِالأسْماءِ الَّتِي ورَدَ التَّوْقِيفُ بِها، هَذا عِنْدَنا وأمّا عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ فَهو أنْ لا يُذْكَرَ إلّا بِالأسْماءِ الَّتِي لا تُوهِمُ نَقْصًا بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ سَواءً ورَدَ الإذْنُ بِها أوْ لَمْ يَرِدْ، وأمّا في أحْكامِهِ فَهو أنْ يَعْلَمَ أنَّهُ ما كَلَّفَنا لِنَفْعٍ يَعُودُ إلَيْهِ. بَلْ إمّا لِمَحْضِ المالِكِيَّةِ عَلى ما هو قَوْلُنا، أوْ لِرِعايَةِ مَصالِحِ العِبادِ عَلى ما [ هو ] قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ.

* * *

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مِنَ النّاسِ مَن تَمَسَّكَ بِهَذِهِ الآيَةِ في أنَّ الِاسْمَ نَفْسُ المُسَمّى، فَأقُولُ: إنَّ الخَوْضَ في الِاسْتِدْلالِ لا يُمْكِنُ إلّا بَعْدَ تَلْخِيصِ مَحَلِّ النِّزاعِ، فَلا بُدَّ هاهُنا مِن بَيانِ أنَّ الِاسْمَ ما هو والمُسَمّى ما هو حَتّى يُمْكِنَنا أنْ نَخُوضَ في الِاسْمِ هَلْ هو نَفْسُ المُسَمّى أمْ لا، فَنَقُولُ: وإنْ كانَ المُرادُ مِنَ الِاسْمِ هو هَذا اللَّفْظُ، وبِالمُسَمّى تِلْكَ الذّاتُ، فالعاقِلُ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَقُولَ: الِاسْمُ هو المُسَمّى، وإنْ كانَ المُرادُ، مِنَ الِاسْمِ هو تِلْكَ الذّاتُ، وبِالمُسَمّى أيْضًا تِلْكَ الذّاتُ كانَ قَوْلُنا الِاسْمُ نَفْسُ المُسَمّى، هو أنَّ تِلْكَ الذّاتِ نَفْسُ تِلْكَ الذّاتِ، وهَذا لا يُمْكِنُ أنْ يُنازِعَ فِيهِ عاقِلٌ، فَعَلِمْنا أنَّ هَذِهِ المَسْألَةَ في وصْفِها رَكِيكَةٌ. وإنْ كانَ كَذَلِكَ كانَ الخَوْضُ في ذِكْرِ الِاسْتِدْلالِ عَلَيْهِ أرَكَّ وأبْعَدَ بَلْ هاهُنا دَقِيقَةٌ، وهي أنَّ قَوْلَنا: اسْمٌ لَفْظَةٌ جَعَلْناها اسْمًا لِكُلِّ ما دَلَّ عَلى مَعْنًى غَيْرِ مُقْتَرِنٍ بِزَمانٍ، والِاسْمُ كَذَلِكَ فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ الِاسْمُ اسْمًا لِنَفْسِهِ فَهاهُنا الِاسْمُ نَفْسُ المُسَمّى فَلَعَلَّ العُلَماءَ الأوَّلِينَ ذَكَرُوا ذَلِكَ فاشْتَبَهَ الأمْرُ عَلى المُتَأخِّرِينَ، وظَنُّوا أنَّ الِاسْمَ في جَمِيعِ المَواضِعِ نَفْسُ المُسَمّى، هَذا حاصِلُ التَّحْقِيقِ في هَذِهِ المَسْألَةِ، ولْنَرْجِعْ إلى الكَلامِ المَأْلُوفِ، قالُوا: الَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ الِاسْمَ نَفْسُ المُسَمّى أنَّ أحَدًا لا يَقُولُ سُبْحانَ اسْمِ اللَّهِ وسُبْحانَ اسْمِ رَبِّنا فَمَعْنى سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ سَبِّحْ رَبَّكَ، والرَّبُّ أيْضًا اسْمٌ فَلَوْ كانَ غَيْرَ المُسَمّى لَمْ يَجُزْ أنْ يَقَعَ التَّسْبِيحُ عَلَيْهِ، واعْلَمْ أنَّ هَذا الِاسْتِدْلالَ ضَعِيفٌ لِما بَيَّنّا في المَسْألَةِ الأُولى أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الأمْرُ وارِدًا بِتَسْبِيحِ الِاسْمِ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ تَسْبِيحَ المُسَمّى وذُكِرَ الِاسْمُ صِلَةً فِيهِ. ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ سَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ كَما يُقالُ: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ ويَكُونُ المَعْنى سَبِّحْ رَبَّكَ بِذِكْرِ أسْمائِهِ.

صفحة ١٢٥

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: رُوِيَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ «أنَّهُ لَمّا نَزَلْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ قالَ لَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”اجْعَلُوها في رُكُوعِكم“ ولَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ قالَ: ”اجْعَلُوها في سُجُودِكم“» ثُمَّ رُوِيَ في الأخْبارِ «أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَقُولُ: في رُكُوعِهِ: ”سُبْحانَ رَبِّيَ العَظِيمِ“ وفي سُجُودِهِ: ”سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى“» ثُمَّ مِنَ العُلَماءِ مَن قالَ: إنَّ هَذِهِ الأحادِيثَ تَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ أيْ صَلِّ بِاسْمِ رَبِّكَ، ويَتَأكَّدُ هَذا الِاحْتِمالُ بِإطْباقِ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾[الروم: ١٧] ورَدَ في بَيانِ أوْقاتِ الصَّلاةِ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَرَأ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ وابْنُ عُمَرَ: (سُبْحانَ الأعْلى الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى) ولَعَلَّ الوَجْهَ فِيهِ أنَّ قَوْلَهُ: (سَبِّحْ) أمْرٌ بِالتَّسْبِيحِ فَلا بُدَّ وأنْ يُذْكَرَ ذَلِكَ التَّسْبِيحُ وما هو إلّا قَوْلُهُ: سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: تَمَسَّكَتِ المُجَسِّمَةُ في إثْباتِ العُلُوِّ بِالمَكانِ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّكَ الأعْلى﴾والحَقُّ أنَّ العُلُوَّ بِالجِهَةِ عَلى اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، لِأنَّهُ تَعالى إمّا أنْ يَكُونَ مُتَناهِيًا أوْ غَيْرَ مُتَناهٍ، فَإنْ كانَ مُتَناهِيًا كانَ طَرَفُهُ الفَوْقانِيُّ مُتَناهِيًا، فَكانَ فَوْقَهُ جِهَةً فَلا يَكُونُ هو سُبْحانَهُ أعْلى