< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah049
Al-Hujuraat (49)
The Inner Apartments, madinah, 18 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
اليَقِينِ، فالظَّنُّ فِيهِ غَيْرُ مُجْتَنِبٍ، مِثالُهُ حُكْمُ الحاكِمِ عَلى قَوْلِ الشُّهُودِ وبَراءَةُ الذِّمَّةِ عِنْدَ عَدَمِ الشُّهُودِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، فَقَوْلُهُ:﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ﴾ إشارَةٌ إلى الأخْذِ بِالأحْوَطِ، كَما أنَّ الطَّرِيقَ المُخَوِّفَةَ لا يَتَّفِقُ كُلَّ مَرَّةٍ فِيهِ قاطِعُ طَرِيقٍ، لَكِنَّكَ لا تَسْلُكُها لِاتِّفاقِ ذَلِكَ فِيهِ مَرَّةً ومَرَّتَيْنِ إلّا إذا تَعَيَّنَ فَتَسْلُكُهُ مَعَ رُفْقَةٍ، كَذَلِكَ الظَّنُّ يَنْبَغِي بَعْدَ اجْتِهادٍ تامٍّ ووُثُوقٍ بالِغٍ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا تَجَسَّسُوا﴾ إتْمامًا لِما سَبَقَ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾ فُهِمَ مِنهُ أنَّ المُعْتَبَرَ اليَقِينُ فَيَقُولُ القائِلُ: أنا أكْشِفُ فُلانًا، يَعْنِي أعْلَمُهُ يَقِينًا، وأطَّلِعُ عَلى عَيْبِهِ مُشاهَدَةً فَأعِيبُ فَأكُونُ قَدِ اجْتَنَبْتُ الظَّنَّ، فَقالَ تَعالى: ولا تَبْتَغُوا الظَّنَّ، ولا تَجْتَهِدُوا في طَلَبِ اليَقِينِ في مَعايِبِ النّاسِ.* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا يَغْتَبْ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ إشارَةً إلى وُجُوبِ حِفْظِ عِرْضِ المُؤْمِنِ في غَيْبَتِهِ وفِيهِ مَعانٍ:أحَدُها: في قَوْلِهِ تَعالى: (بَعْضُكم بَعْضًا) فَإنَّهُ لِلْعُمُومِ في الحَقِيقَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿ولا تَلْمِزُوا أنْفُسَكُمْ﴾ وأمّا مَنِ اغْتابَ فالمُغْتابُ أوَّلًا يَعْلَمُ عَيْبَهُ، فَلا يُحْمَلُ فِعْلُهُ عَلى أنْ يَغْتابَهُ، فَلَمْ يَقُلْ: ولا تَغْتابُوا أنْفُسَكم؛ لِما أنَّ الغِيبَةَ لَيْسَتْ حامِلَةً لِلَعائِبَ عَلى عَيْبِهِ مَنِ اغْتابَهُ، والعَيْبُ حامِلٌ عَلى العَيْبِ.
ثانِيها: لَوْ قالَ قائِلٌ: هَذا المَعْنى كانَ حاصِلًا بِقَوْلِهِ تَعالى: لا تَغْتابُوا مَعَ الِاقْتِصارِ عَلَيْهِ ؟ نَقُولُ: لا، وذَلِكَ لِأنَّ المَمْنُوعَ اغْتِيابُ المُؤْمِنِ فَقالَ: ﴿بَعْضُكم بَعْضًا﴾ وأمّا الكافِرُ فَيُعْلَنُ ويُذْكَرُ بِما فِيهِ، وكَيْفَ لا والفاسِقُ يَجُوزُ أنْ يُذْكَرَ بِما فِيهِ عِنْدَ الحاجَةِ.
ثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيُحِبُّ أحَدُكم أنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أخِيهِ مَيْتًا﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الِاغْتِيابَ المَمْنُوعَ اغْتِيابُ المُؤْمِنِ لا ذِكْرُ الكافِرِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ شَبَّهَهُ بِأكْلِ لَحْمِ الأخِ، وقالَ مِن قَبْلُ: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾ فَلا أُخُوَّةَ إلّا بَيْنَ المُؤْمِنِينَ، ولا مَنعَ إلّا مِن شَيْءٍ يُشْبِهُ أكْلَ لَحْمِ الأخِ، فَفي هَذِهِ الآيَةِ نَهْيٌ عَنِ اغْتِيابِ المُؤْمِنِ دُونَ الكافِرِ.
رابِعُها: ما الحِكْمَةُ في هَذا التَّشْبِيهِ ؟ نَقُولُ: هو إشارَةٌ إلى أنَّ عِرْضَ الإنْسانِ كَدَمِهِ ولَحْمِهِ، وهَذا مِن بابِ القِياسِ الظّاهِرِ، وذَلِكَ لِأنَّ عِرْضَ المَرْءِ أشْرَفُ مِن لَحْمِهِ، فَإذا لَمْ يَحْسُنْ مِنَ العاقِلِ أكْلُ لُحُومِ النّاسِ لَمْ يَحْسُنْ مِنهُ قَرْضُ عِرْضِهِمْ بِالطَّرِيقِ الأوْلى؛ لِأنَّ ذَلِكَ آلَمُ، وقَوْلُهُ: ﴿لَحْمَ أخِيهِ﴾ آكَدُ في المَنعِ؛ لِأنَّ العَدُوَّ يَحْمِلُهُ الغَضَبُ عَلى مَضْغِ لَحْمِ العَدُوِّ، فَقالَ: أصْدَقُ الأصْدِقاءِ مَن ولَدَتْهُ أُمُّكَ، فَأكْلُ لَحْمِهِ أقْبَحُ ما يَكُونُ، وقَوْلُهُ تَعالى: (مَيْتًا) إشارَةٌ إلى دَفْعِ
صفحة ١١٦
وهْمٍ، وهو أنْ يُقالَ: القَوْلُ في الوَجْهِ يُؤْلِمُ فَيَحْرُمُ، وأمّا الِاغْتِيابُ فَلا اطِّلاعَ عَلَيْهِ لِلْمُغْتابِ فَلا يُؤْلِمُ، فَقالَ: أكْلُ لَحْمِ الأخِ وهو مَيِّتٌ أيْضًا لا يُؤْلِمُ، ومَعَ هَذا هو في غايَةِ القُبْحِ؛ لِما أنَّهُ لَوِ اطَّلَعَ عَلَيْهِ لَتَألَّمَ، كَما أنَّ المَيِّتَ لَوْ أحَسَّ بِأكْلِ لَحْمِهِ لَآلَمَهُ، وفِيهِ مَعْنًى: وهو أنَّ الِاغْتِيابَ كَأكْلِ لَحْمِ الآدَمِيِّ مَيْتًا، ولا يَحِلُّ أكْلُهُ إلّا لِلْمُضْطَرِّ بِقَدْرِ الحاجَةِ، والمُضْطَرُّ إذا وجَدَ لَحْمَ الشّاةِ المَيِّتَةِ ولَحَمَ الآدَمِيِّ المَيِّتِ، فَلا يَأْكُلُ لَحْمَ الآدَمِيِّ، فَكَذَلِكَ المُغْتابُ إنْ وجَدَ لِحاجَتِهِ مَدْفَعًا غَيْرَ الغِيبَةِ فَلا يُباحُ لَهُ الِاغْتِيابُ، وقَوْلُهُ تَعالى: (مَيْتًا) حالٌ عَنِ اللَّحْمِ أوْ عَنِ الأخِ، فَإنْ قِيلَ: اللَّحْمُ لا يَكُونُ مَيْتًا، قُلْنا: بَلى قالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”«ما أُبِينَ مِن حَيٍّ فَهو مَيِّتٌ»“ فَسَمّى العَلَقَةَ مَيْتًا، فَإنْ قِيلَ: إذا جَعَلْناهُ حالًا عَنِ الأخِ، لا يَكُونُ هو الفاعِلُ ولا المَفْعُولُ، فَلا يَجُوزُ جَعْلُهُ حالًا، كَما يَقُولُ القائِلُ: مَرَرْتُ