< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


بِأخِي زَيْدٍ قائِمًا، ويُرِيدُ كَوْنَ زِيدٍ قائِمًا، قُلْنا: يَجُوزُ أنْ يُقالَ: مَن أكَلَ لَحْمَهُ فَقَدْ أكَلَ، فَصارَ الأخُ مَأْكُولًا مَفْعُولًا، بِخِلافِ المُرُورِ بِأخِي زَيْدٍ، فَيَجُوزُ أنْ تَقُولَ: ضَرَبْتُ وجْهَهُ آثِمًا، أيْ وهو آثِمٌ، أيْ صاحِبَ الوَجْهِ، كَما أنَّكَ إذا ضَرَبْتَ وجْهَهُ فَقَدْ ضَرَبْتَهُ، ولا يَجُوزُ أنْ تَقُولَ: مَزَّقْتُ ثَوْبَهُ آثِمًا، فَتَجْعَلُ الآثِمَ حالًا مِن غَيْرِكَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ فِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: العائِدُ إلَيْهِ الضَّمِيرُ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا: الأوَّلُ: وهو الظّاهِرُ أنْ يَكُونَ هو الأكْلَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أيُحِبُّ أحَدُكم أنْ يَأْكُلَ﴾ مَعْناهُ أيُحِبُّ أحَدُكُمُ الأكْلَ؛ لِأنَّ أنْ مَعَ الفِعْلِ تَكُونُ لِلْمَصْدَرِ، يَعْنِي فَكَرِهْتُمُ الأكْلَ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ هو اللَّحْمَ، أيْ فَكَرِهْتُمُ اللَّحْمَ. الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ هو المَيِّتَ في قَوْلِهِ: (مَيْتًا) وتَقْدِيرُهُ: أيُحِبُّ أحَدُكم أنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أخِيهِ مَيْتًا مُتَغَيِّرًا فَكَرِهْتُمُوهُ، فَكَأنَّهُ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ: (مَيْتًا) ويَكُونُ فِيهِ زِيادَةُ مُبالَغَةٍ في التَّحْذِيرِ، يَعْنِي المَيْتَةَ إنْ أُكِلَتْ في النُّدْرَةِ لِسَبَبٍ كانَ نادِرًا، ولَكِنْ إذا أنْتَنَ وأرْوَحَ وتَغَيَّرَ لا يُؤْكَلُ أصْلًا، فَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ الغِيبَةُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ تَقْتَضِي وُجُودَ تَعَلُّقٍ، فَما ذَلِكَ ؟ نَقُولُ: فِيهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَقْدِيرَ جَوابِ كَلامٍ، كَأنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿أيُحِبُّ﴾ قِيلَ في جَوابِهِ ذَلِكَ.

وثانِيها: أنْ يَكُونَ الِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿أيُحِبُّ﴾ لِلْإنْكارِ، كَأنَّهُ قالَ: لا يُحِبُّ أحَدُكم أنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ إذًا، ولا يَحْتاجُ إلى إضْمارٍ.

وثالِثُها: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ التَّعَلُّقُ هو تَعَلُّقَ المُسَبَّبِ بِالسَّبَبِ، وتَرَتُّبَهُ عَلَيْهِ كَما تَقُولُ: جاءَ فُلانٌ ماشِيًا فَتَعِبَ؛ لِأنَّ المَشْيَ يُورِثُ التَّعَبَ، فَكَذا قَوْلُهُ: (مَيْتًا) لِأنَّ المَوْتَ يُورِثُ النَّفْرَةَ إلى حَدٍّ لا يَشْتَهِي الإنْسانُ أنْ يَبِيتَ في بَيْتٍ فِيهِ مَيِّتٌ، فَكَيْفَ يَقْرَبُهُ بِحَيْثُ يَأْكُلُ مِنهُ، فَفِيهِ إذًا كَراهَةٌ شَدِيدَةٌ، فَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ حالَ الغَيْبَةِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ تَوّابٌ رَحِيمٌ﴾ عَطْفٌ عَلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي، أيِ اجْتَنِبُوا واتَّقُوا، وفي الآيَةِ لِطائِفُ: مِنها أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أُمُورًا ثَلاثَةً مُرَتَّبَةً، بَيانُها هو أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا﴾ أيْ لا تَقُولُوا في حَقِّ المُؤْمِنِينَ ما لَمْ تَعْلَمُوهُ فِيهِمْ بِناءً عَلى الظَّنِّ، ثُمَّ إذا سُئِلْتُمْ عَلى المَظْنُوناتِ، فَلا تَقُولُوا: نَحْنُ نَكْشِفُ أُمُورَهم لِنَسْتَيْقِنَها قَبْلَ ذِكْرِها، ثُمَّ إنْ عَلِمْتُمْ مِنها شَيْئًا مِن غَيْرِ تَجَسُّسٍ، فَلا تَقُولُوهُ ولا تُفْشُوهُ عَنْهم ولا تَعِيبُوا، فَفي الأوَّلِ نَهْيٌ عَمّا لَمْ يُعْلَمَ، ثُمَّ نَهْيٌ عَنْ طَلَبِ ذَلِكَ العِلْمِ، ثُمَّ نَهْيٌ عَنْ ذِكْرِ ما عَلِمَ، ومِنها أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَقُلْ: اجْتَنِبُوا أنْ تَقُولُوا أمْرًا عَلى خِلافِ ما تَعْلَمُونَهُ، ولا قالَ: اجْتَنِبُوا الشَّكَّ، بَلْ أوَّلُ ما نَهى عَنْهُ هو القَوْلُ بِالظَّنِّ؛ وذَلِكَ لِأنَّ القَوْلَ عَلى خِلافِ العِلْمِ كَذِبٌ وافْتِراءٌ، والقَوْلُ

صفحة ١١٧

بِالشَّكِّ، والرَّجْمُ بِالغَيْبِ سَفَهٌ وهُزْءٌ، وهُما في غايَةِ القُبْحِ، فَلَمْ يَنْهَ عَنْهُ اكْتِفاءً بِقَوْلِهِ تَعالى: (يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا) لِأنَّ وصْفَهم بِالإيمانِ يَمْنَعُهم مِنَ الِافْتِراءِ والِارْتِيابِ الَّذِي هو دَأْبُ الكافِرِ، وإنَّما مَنَعَهم عَمّا يَكْثُرُ وجُودُهُ في المُسْلِمِينَ؛ ولِذَلِكَ قالَ في الآيَةِ: ﴿لا يَسْخَرْ﴾ ومِنها أنَّهُ خَتَمَ الآيَتَيْنِ بِذِكْرِ التَّوْبَةِ، فَقالَ في الأُولى: ﴿ومَن لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ وقالَ في الأُخْرى: ﴿إنَّ اللَّهَ تَوّابٌ﴾ لَكِنْ في الآيَةِ الأوْلى لَمّا كانَ الِابْتِداءُ بِالنَّهْيِ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَسْخَرْ قَومٌ مِن قَوْمٍ﴾ ذَكَرَ النَّفْيَ الَّذِي هو قَرِيبٌ مِنَ النَّهْيِ، وفي الآيَةِ الثّانِيَةِ لَمّا كانَ الِابْتِداءُ بِالأمْرِ في قَوْلِهِ: ﴿اجْتَنِبُوا﴾ذَكَرَ الِارْتِيابَ الَّذِي