< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


أنَّ هَذا إرْشادٌ لِلْمُؤْمِنِينَ إلى ما يَجِبُ أنْ يَفْعَلَهُ المُؤْمِنُ عِنْدَ حُضُورِهِ بَعْدَ الإشارَةِ إلى ما يَفْعَلُهُ في غَيْبَتِهِ، لَكِنَّ قَوْلَهُ تَعالى:﴿ولا تَلْمِزُوا﴾ قِيلَ فِيهِ: بِأنَّهُ العَيْبُ خَلْفَ الإنْسانِ، والهَمْزُ: هو العَيْبُ في وجْهِ الإنْسانِ، نَقُولُ: لَيْسَ كَذَلِكَ بَلِ العَكْسُ أوْلى، وذَلِكَ لِأنّا إذا نَظَرْنا إلى قَلْبِ الحُرُوفِ دَلَلْنَ عَلى العَكْسِ؛ لِأنَّ لَمَزَ قَلْبُهُ لَزَمَ وهَمَزَ قَلْبُهُ هَزَمَ، والأوَّلُ: يَدُلُّ عَلى القُرْبِ، والثّانِي: عَلى البُعْدِ، فَإنْ قِيلَ: اللَّمْزُ هو الطَّعْنُ والعَيْبُ في الوَجْهِ كانَ أوْلى مَعَ أنَّ كُلَّ واحِدٍ قِيلَ بِمَعْنًى واحِدٍ.

المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قالَ تَعالى: ﴿ولا تَنابَزُوا﴾ ولَمْ يَقُلْ: لا تَنْبِزُوا؛ وذَلِكَ لِأنَّ اللَّمّازَ إذا لَمَزَ فالمَلْمُوزُ قَدْ لا يَجِدُ فِيهِ في الحالِ عَيْبًا يَلْمِزُهُ بِهِ، وإنَّما يَبْحَثُ ويَتْبَعُهُ لِيَطَّلِعَ مِنهُ عَلى عَيْبٍ، فَيُوجَدُ اللَّمْزُ مِن جانِبٍ، وأمّا النَّبْزُ فَلا يَعْجِزُ كُلُّ واحِدٍ عَنِ الإتْيانِ بِهِ، فَإنَّ مَن نَبَزَ غَيْرَهُ بِالحِمارِ فَهو يَنْبِزُهُ بِالثَّوْرِ وغَيْرِهِ، فالظّاهِرُ أنَّ النَّبْزَ يُفْضِي في الحالِ إلى التَّنابُزِ ولا كَذَلِكَ اللَّمْزُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِئْسَ الِاسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإيمانِ﴾ .

قِيلَ فِيهِ: إنَّ المُرادَ: بِئْسَ أنْ يَقُولَ لِلْمُسْلِمِ: يا يَهُودِيُّ بَعْدَ الإيمانِ، أيْ بَعْدَما آمَنَ، فَبِئْسَ تَسْمِيَتُهُ بِالكافِرِ. ويَحْتَمِلُ وجْهًا أحْسَنَ مِن هَذا، وهو أنْ يُقالَ: هَذا تَمامٌ لِلزَّجْرِ، كَأنَّهُ قالَ: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مَن قَوْمٍ، ولا تَلْمِزُوا، ولا تَنابَزُوا " فَإنَّهُ إنْ فَعَلَ يَفْسُقُ بَعْدَما آمَنَ، والمُؤْمِنُ يَقْبُحُ مِنهُ أنْ يَأْتِيَ بَعْدَ إيمانِهِ بِفُسُوقٍ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ﴾[الأنعام: ٨٢] بِئْسَ الفُسُوقُ بَعْدَ الإيمانِ، وبِئْسَ أنَّ تَسَمَّوْا بِالفاسِقِ بِسَبَبِ هَذِهِ الأفْعالِ بَعْدَما سَمَّيْتُمُوهم مُؤْمِنِينَ.

قالَ تَعالى: ﴿ومَن لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ وهَذا يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنْ يُقالَ: هَذِهِ الأشْياءُ مِنَ الصَّغائِرِ فَمَن يُصِرَّ عَلَيْهِ يَصِيرُ ظالِمًا فاسِقًا، وبِالمَرَّةِ الواحِدَةِ لا يَتَّصِفُ بِالظُّلْمِ والفِسْقِ، فَقالَ: ومَن لَمْ يَتْرُكْ ذَلِكَ ويَجْعَلْهُ عادَةً فَهو ظالِمٌ. وثانِيهِما: أنْ يُقالَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَسْخَرْ قَومٌ﴾، ﴿ولا تَلْمِزُوا﴾ (، ﴿ولا تَنابَزُوا﴾ مَنعٌ لَهم عَنْ ذَلِكَ في المُسْتَقْبَلِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن لَمْ يَتُبْ﴾ أمَرَهم بِالتَّوْبَةِ عَمّا مَضى وإظْهارِ النَّدَمِ عَلَيْها مُبالَغَةً في التَّحْذِيرِ وتَشْدِيدًا في الزَّجْرِ، والأصْلُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَنابَزُوا﴾ لا تَتَنابَزُوا، أُسْقِطَتْ إحْدى التّاءَيْنِ، كَما أسْقَطَ في الِاسْتِفْهامِ إحْدى الهَمْزَتَيْنِ فَقالَ: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهُمْ﴾[البقرة: ٦] والحَذْفُ هَهُنا أوْلى؛ لِأنَّ تاءَ الخِطابِ وتاءَ الفاعِلِ حَرْفانِ مِن جِنْسٍ واحِدٍ في كَلِمَةٍ، وهَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ كَلِمَةٌ بِرَأْسِها، وهَمْزَةَ أنْذَرْتَهم أُخْرى، واحْتِمالَ حَرْفَيْنِ في كَلِمَتَيْنِ أسْهَلُ مِنِ احْتِمالِهِ في كَلِمَةٍ؛ ولِهَذا وجَبَ الإدْغامُ في قَوْلِنا: مَدَّ،

صفحة ١١٥

ولَمْ يَجِبْ في قَوْلِنا: امْدُدْ، و[ في ] قَوْلِنا: مَرَّ، [ دُونَ ] قَوْلِهِ: امْرُرَ بِنا.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ ولا تَجَسَّسُوا ولا يَغْتَبْ بَعْضُكم بَعْضًا أيُحِبُّ أحَدُكم أنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ تَوّابٌ رَحِيمٌ﴾ .

لِأنَّ الظَّنَّ هو السَّبَبُ فِيما تَقَدَّمَ وعَلَيْهِ تُبْنى القَبائِحُ، ومِنهُ يَظْهَرُ العَدُوُّ المُكاشِحُ، والقائِلُ إذا أوْقَفَ أُمُورَهُ عَلى اليَقِينِ فَقَلَّما يَتَيَقَّنُ في أحَدٍ عَيْبًا فَيَلْمِزُهُ بِهِ، فَإنَّ الفِعْلَ في الصُّورَةِ قَدْ يَكُونُ قَبِيحًا، وفي نَفْسِ الأمْرِ لا يَكُونُ كَذَلِكَ؛ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ فاعِلُهُ ساهِيًا أوْ يَكُونَ الرّائِي مُخْطِئًا، وقَوْلُهُ: (كَثِيرًا) إخْراجٌ لِلظُّنُونِ الَّتِي عَلَيْها تُبْنى الخَيْراتُ، قالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”«ظُنُّوا بِالمُؤْمِنِ خَيْرًا»“ وبِالجُمْلَةِ كُلُّ أمْرٍ لا يَكُونُ بِناؤُهُ عَلى