< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


ونِسْبَةً، ولا يَكُونُ اللَّفْظُ مُرادًا إذا لَمْ يُرَدْ بِهِ الوَصْفُ كَما أنَّ الأعْلامَ كَذَلِكَ، فَإنَّكَ إذا قُلْتَ لِمَن سُمِّيَ بِعَبْدِ اللَّهِ: أنْتَ عَبْدُ اللَّهِ فَلا تَعْبُدْ غَيْرَهُ، وتُرِيدُ بِهِ وصْفَهُ لا تَكُونُ قَدْ أتَيْتَ بِاسْمِ عَلَمِهِ إشارَةً، فَقالَ: لا تَتَكَبَّرُوا فَتَسْتَحْقِرُوا إخْوانَكم وتَسْتَصْغِرُوهم بِحَيْثُ لا تَلْتَفِتُوا إلَيْهِمْ أصْلًا، وإذا نَزَلْتُمْ عَنْ هَذا مِنَ النِّعَمِ إلَيْهِمْ فَلا تَعِيبُو [ هم ] طالِبِينَ حَطَّ دَرَجَتِهِمْ والغَضَّ عَنْ مَنزِلَتِهِمْ، وإذا تَرَكْتُمُ النَّظَرَ في مَعايِبِهِمْ ووَصْفِهِمْ بِما يَعِيبُهم، فَلا تُسَمُّوهم بِما يَكْرَهُونَهُ ولا تُهَوِّلُوا، هَذا لَيْسَ بِعَيْبٍ يُذْكَرُ فِيهِ، إنَّما هو اسْمٌ يُتَلَفَّظُ بِهِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ إلى بَيانِ صِفَةٍ، وذَكَرَ في الآيَةِ مَسائِلَ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿لا يَسْخَرْ قَومٌ مِن قَوْمٍ﴾ القَوْمُ اسْمٌ يَقَعُ عَلى جَمْعٍ مِنَ الرِّجالِ، ولا يَقَعُ عَلى النِّساءِ ولا عَلى الأطْفالِ؛ لِأنَّهُ جَمْعٌ قائِمٌ كَصَوْمٍ جَمْعُ صائِمٍ، والقائِمُ بِالأُمُورِ هُمُ الرِّجالُ فَعَلى هَذا الأقْوامُ الرِّجالُ لا النِّساءُ.

فائِدَةٌ: وهي أنَّ عَدَمَ الِالتِفاتِ والِاسْتِحْقارِ إنَّما يَصْدُرُ في أكْثَرِ الأمْرِ مِنَ الرِّجالِ بِالنِّسْبَةِ إلى الرِّجالِ؛ لِأنَّ المَرْأةَ في نَفْسِها ضَعِيفَةٌ، فَإذا لَمْ يَلْتَفِتِ الرِّجالُ إلَيْها لا يَكُونُ لَها أمْرٌ، قالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”«النِّساءُ لَحْمٌ عَلى وضَمٍ إلّا ما رَدَدْتَ عَنْهُ» “ وأمّا المَرْأةُ فَلا يُوجَدُ مِنها اسْتِحْقارُ الرَّجُلِ، وعَدَمُ التِفاتِها إلَيْهِ لِاضْطِرارِها في دَفْعِ حَوائِجِها [ إلَيْهِ ]، وأمّا الرِّجالُ بِالنِّسْبَةِ إلى الرِّجالِ والنِّساءُ بِالنِّسْبَةِ إلى النِّساءِ، فَيُوجَدُ فِيهِمْ هَذا النَّوْعُ مِنَ القُبْحِ، وهَذا أشْهَرُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ في الدَّرَجَةِ العالِيَةِ الَّتِي هي نِهايَةُ المُنْكَرِ: ﴿عَسى أنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنهُمْ﴾ كَسْرًا لَهُ وبُغْضًا لِنُكْرِهِ، وقالَ في المَرْتَبَةِ الثّانِيَةِ: ﴿ولا تَلْمِزُوا أنْفُسَكُمْ﴾ جَعَلَهم كَأنْفُسِهِمْ لَمّا نَزَلُوا دَرَجَةً رَفَعَهُمُ اللَّهُ دَرَجَةً، وفي الأوَّلِ جَعَلَ المَسْخُورَ مِنهُ خَيْرًا، وفي الثّانِي جَعَلَ المَسْخُورَ مِنهُ مَثَلًا، وفي قَوْلِهِ: ﴿عَسى أنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنهُمْ﴾ حِكْمَةٌ وهي أنَّهُ وجَدَ مِنهُمُ النُّكْرَ الَّذِي هو مُفْضٍ إلى الإهْمالِ، وجَعَلَ نَفْسَهُ خَيْرًا مِنهم، كَما فَعَلَ إبْلِيسُ حَيْثُ لَمْ يَلْتَفِتْ إلى آدَمَ وقالَ: ﴿أنا خَيْرٌ مِنهُ﴾[ص: ٧٦] فَصارَ هو خَيْرًا، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: (أنْ يَكُونُوا) يَصِيرُوا فَإنَّ مَنِ اسْتَحْقَرَ إنْسانًا لِفَقْرِهِ أوْ وحْدَتِهِ أوْ ضَعْفِهِ لا يَأْمَنُ أنْ يَفْتَقِرَ هو ويَسْتَغْنِيَ الفَقِيرُ، ويَضْعُفَ هو ويَقْوى الضَّعِيفُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ تَعالى: ﴿قَومٌ مِن قَوْمٍ﴾ ولَمْ يَقُلْ: نَفْسٌ مِن نَفْسٍ؛ وذَلِكَ لِأنَّ هَذا فِيهِ إشارَةٌ إلى مَنعِ التَّكَبُّرِ، والمُتَكَبِّرُ في أكْثَرِ الأمْرِ يُرِي جَبَرُوتَهُ عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ، وإذا اجْتَمَعَ في الخَلَواتِ مَعَ مَن لا يُلْتَفَتُ

صفحة ١١٤

إلَيْهِ في الجامِعِ يَجْعَلُ نَفْسَهُ مُتَواضِعًا، فَذَكَرَهم بِلَفْظِ القَوْمِ مَنعًا لَهم عَمّا يَفْعَلُونَهُ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَلْمِزُوا أنْفُسَكُمْ﴾ فِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: أنَّ عَيْبَ الأخِ عائِدٌ إلى الأخِ، فَإذا عابَ عائِبٌ نَفْسًا فَكَأنَّما عابَ نَفْسَهُ.

وثانِيهُما: هو أنَّهُ إذا عابَهُ وهو لا يَخْلُو مِن عَيْبٍ يُحارِبُهُ المَعِيبُ فَيَعِيبُهُ فَيَكُونُ هو بِعَيْبِهِ حامِلًا لِلْغَيْرِ عَلى عَيْبِهِ، وكَأنَّهُ هو العائِبُ نَفْسَهُ، وعَلى هَذا يُحْمَلُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾[النساء: ٢٩] أيْ أنَّكم إذا قَتَلْتُمْ نَفْسًا قُتِلْتُمْ فَتَكُونُوا كَأنَّكم قَتَلْتُمْ أنْفُسَكم، ويَحْتَمِلُ وجْهًا آخَرَ ثالِثًا وهو أنْ تَقُولَ: لا تَعِيبُوا أنْفُسَكم، أيْ كُلَّ واحِدٍ مِنكم، فَإنَّكم إنْ فَعَلْتُمْ فَقَدْ عِبْتُمْ أنْفُسَكم، أيْ كُلُّ واحِدٍ عابَ كُلَّ واحِدٍ فَصِرْتُمْ عائِبِينَ مِن وجْهٍ، مَعِيبِينَ مِن وجْهٍ، وهَذا الوَجْهُ هَهُنا ظاهِرٌ ولا كَذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ .

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: إنْ قِيلَ: قَدْ ذَكَرْتُمْ