< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


العَمَلِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَقِيلَ: إنَّما المُؤْمِنِينَ إخْوَةٌ، وفي قَوْلِهِ تَعالى:﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾[آل عمران: ١٥٩] وقَوْلِهِ: ﴿عَمّا قَلِيلٍ﴾[المؤمنون: ٤٠] لَيْسَتْ كافَّةً. والسُّؤالُ الأقْوى هو أنَّ رُبَّ مِن حُرُوفِ الجَرِّ والباءَ وعَنْ كَذَلِكَ، و”ما“ في ”رُبَّ“ كافَّةٌ، وفي ”عَمّا“ و”بِما“ لَيْسَتْ كافَّةً، والتَّحْقِيقُ فِيهِ هو أنَّ الكَلامَ بَعْدَ رُبَّما، وإنَّما يَكُونُ تامًّا، ويُمْكِنُ جَعْلُهُ مُسْتَقِلًّا، ولَوْ حَذَفَ ”رُبَّما“ و”إنَّما“ لَما ضَرَّ، فَنَقُولُ: رُبَّما قامَ الأمِيرُ ورُبَّما زِيدٌ في الدّارِ، ولَوْ حَذَفْتَ ”رُبَّما“ وقُلْتَ: زِيدٌ في الدّارِ وقامَ الأمِيرُ لَصَحَّ، وكَذَلِكَ في ”إنَّما“ و”لَكِنَّما“ . وأمّا ”عَمّا“ و”بِما“ فَلَيْسَتْ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾[آل عمران: ١٥٩] لَوْ أذْهَبْتَ ”بِما“ وقُلْتَ: رَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهم، لَما كانَ كَلامًا، فالباءُ يُعَدُّ تَعَلُّقُها بِما يُحْتاجُ إلَيْها فَهي باقِيَةٌ حَقِيقَةً، و”لَكِنَّما“ و”إنَّما“ و”رُبَّما“ لَمّا اسْتُغْنِيَ عَنْها فَكَأنَّها لَمْ يَبْقَ حُكْمُها ولا عَمَلَ لِلْمَعْدُومِ، فَإنْ قِيلَ: ”إنَّ“ إذا لَمْ تُكَفَّ بِ ”ما“ فَما بَعْدَهُ كَلامٌ تامٌّ، فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ لَهُ عَمَلٌ تَقُولُ: إنَّ زَيْدًا قائِمٌ ولَوْ قُلْتَ: زَيْدٌ قائِمٌ لَكَفى وتَمَّ ؟ نَقُولُ: لَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّ ما بَعْدَ إنَّ جازَ أنْ يَكُونَ نَكِرَةً، تَقُولُ: إنَّ رَجُلًا جاءَنِي وأخْبَرَنِي بِكَذا وأخْبَرَنِي بِعَكْسِهِ، وتَقُولُ: جاءَنِي رَجُلٌ وأخْبَرَنِي، ولا يَحْسُنُ إنَّما رَجُلٌ جاءَنِي كَما لَوْ لَمْ تَكُنْ هُناكَ إنَّما، وكَذَلِكَ القَوْلُ في بَيْنَما وأيْنَما فَإنَّكَ لَوْ حَذَفْتَهُما واقْتَصَرْتَ عَلى ما يَكُونُ بَعْدَهُما لا يَكُونُ تامًّا، فَلَمْ يُكَفَّ، والكَلامُ في لَعَلَّ قَدْ تَقَدَّمَ مِرارًا.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِن قَوْمٍ عَسى أنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنهم ولا نِساءٌ مِن نِساءٍ عَسى أنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنهُنَّ ولا تَلْمِزُوا أنْفُسَكم ولا تَنابَزُوا بِالألْقابِ﴾ .

وقَدْ بَيَّنّا أنَّ السُّورَةَ لِلْإرْشادِ بَعْدَ إرْشادٍ، فَبَعْدَ الإرْشادِ إلى ما يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ المُؤْمِنُ مَعَ اللَّهِ تَعالى ومَعَ النَّبِيِّ ﷺ ومَعَ مَن يُخالِفُهُما ويَعْصِيهُما وهو الفاسِقُ، بَيَّنَ ما يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ المُؤْمِنُ مَعَ المُؤْمِنِ،

صفحة ١١٣

وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ المُؤْمِنَ إمّا أنْ يَكُونَ حاضِرًا وإمّا أنْ يَكُونَ غائِبًا، فَإنْ كانَ حاضِرًا فَلا يَنْبَغِي أنْ يُسْخَرَ مِنهُ ولا يُلْتَفَتَ إلَيْهِ بِما يُنافِي التَّعْظِيمَ، وفي الآيَةِ إشارَةٌ إلى أُمُورٍ ثَلاثَةٍ مُرَتَّبَةٍ بَعْضُها دُونَ بَعْضٍ، وهي: السُّخْرِيَةُ واللَّمْزُ والنَّبْزُ، فالسُّخْرِيَةُ هي أنْ لا يَنْظُرَ الإنْسانُ إلى أخِيهِ بِعَيْنِ الإجْلالِ ولا يَلْتَفِتَ إلَيْهِ ويُسْقِطَهُ عَنْ دَرَجَتِهِ، وحِينَئِذٍ لا يَذْكُرُ ما فِيهِ مِنَ المَعايِبِ، وهَذا كَما قالَ بَعْضُ النّاسِ: تَراهم إذا ذُكِرَ عِنْدَهم عَدُوُّهم يَقُولُونَ: هو دُونَ أنْ يُذْكَرَ، وأقَلُّ مِن أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ، فَقالَ: لا تُحَقِّرُوا إخْوانَكم ولا تَسْتَصْغِرُوهم. الثّانِي: هو اللَّمْزُ وهو ذِكْرُ ما في الرَّجُلِ مِنَ العَيْبِ في غَيْبَتِهِ وهَذا دُونَ الأوَّلِ؛ لِأنَّ في الأوَّلِ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَيْهِ ولَمْ يَرْضَ بِأنْ يَذْكُرَهُ أحَدٌ، وإنَّما جَعَلَهُ مِثْلَ المَسْخَرَةِ الَّذِي لا يُغْضَبُ لَهُ ولا عَلَيْهِ. الثّالِثُ: هو النَّبْزُ وهو دُونَ الثّانِي؛ لِأنَّ في هَذِهِ المَرْتَبَةِ يُضِيفُ إلَيْهِ وصْفًا ثابِتًا فِيهِ يُوجِبُ بُغْضَهُ وحَطَّ مَنزِلَتِهِ، وأمّا النَّبْزُ فَهو مُجَرَّدُ التَّسْمِيَةِ وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ، وذَلِكَ لِأنَّ اللَّقَبَ الحَسَنَ والِاسْمَ المُسْتَحْسَنَ إذا وُضِعَ لِواحِدٍ وعُلِّقَ عَلَيْهِ لا يَكُونُ مَعْناهُ مَوْجُودًا، فَإنَّ مَن يُسَمّى سَعْدًا وسَعِيدًا قَدْ لا يَكُونُ كَذَلِكَ، وكَذا مَن لُقِّبَ إمامَ الدِّينِ وحُسامَ الدِّينِ لا يُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ كَذَلِكَ، وإنَّما هو عَلامَةٌ وزِينَةٌ، وكَذَلِكَ النَّبْزُ بِالمَرْوانِ، ومَرْوانُ الحِمارُ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، وإنَّما كانَ ذَلِكَ سِمَةً