< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah049
Al-Hujuraat (49)
The Inner Apartments, madinah, 18 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
*
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ فَأصْلِحُوا بَيْنَ أخَوَيْكُمْ﴾ تَتْمِيمًا لِلْإرْشادِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ كانَ لِظانٍّ أنْ يَظُنَّ أوْ لِمُتَوَهِّمٍ أنْ يَتَوَهَّمَ أنَّ ذَلِكَ عِنْدَ اخْتِلافِ قَوْمٍ، فَأمّا إذا كانَ الِاقْتِتالُ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَلا تَعُمُّ المَفْسَدَةُ فَلا يُؤْمَرُ بِالإصْلاحِ، وكَذَلِكَ الأمْرُ بِالإصْلاحِ هُناكَ عِنْدَ الِاقْتِتالِ، وأمّا إذا كانَ دُونَ الِاقْتِتالِ كالتَّشاتُمِ والتَّسافُهِ، فَلا يَجِبُ الإصْلاحُ، فَقالَ: ﴿بَيْنَ أخَوَيْكُمْ﴾ وإنْ لَمْ تَكُنِ الفِتْنَةُ عامَّةً وإنْ لَمْ يَكُنِ الأمْرُ عَظِيمًا كالقِتالِ، بَلْ لَوْ كانَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ أدْنى اخْتِلافٍ فاسْعَوْا في الإصْلاحِ.* * *
وقَوْلُهُ ﴿واتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾ قالَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ: الإخْوَةُ جَمْعُ الأخِ مِنَ النَّسَبِ، والإخْوانُ جَمْعُ الأخِ مِنَ الصَّداقَةِ، فاللَّهُ تَعالى قالَ: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾ تَأْكِيدًا لِلْأمْرِ وإشارَةً إلى أنَّ ما بَيْنَهم ما بَيْنَ الأُخُوَّةِ مِنَ النَّسَبِ والإسْلامِ كالأبِ، قالَ قائِلُهم:
أبِي الإسْلامُ لا أبَ [ لِي ] سِواهُ إذا افْتَخَرُوا بِقَيْسٍ أوْ تَمِيمِ
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: عِنْدَ إصْلاحِ الفَرِيقَيْنِ والطّائِفَتَيْنِ لَمْ يَقُلْ: اتَّقُوا، وقالَ هَهُنا: (اتَّقُوا) مَعَ أنَّ ذَلِكَ أهَمُّ ؟ نَقُولُ: الفائِدَةُ هو أنَّ الِاقْتِتالَ بَيْنَ طائِفَتَيْنِ يُفْضِي إلى أنْ تَعُمَّ المَفْسَدَةُ، ويَلْحَقَ كُلَّ مُؤْمِنٍ مِنها شَيْءٌ، وكُلٌّ يَسْعى في الإصْلاحِ لِأمْرِ نَفْسِهِ، فَلَمْ يُؤَكِّدْ بِالأمْرِ بِالتَّقْوى، وأمّا عِنْدُ تَخاصُمِ رَجُلَيْنِ لا يَخافُ النّاسُ ذَلِكَ، ورُبَّما يُرِيدُ بَعْضُهم تَأكُّدَ الخِصامِ بَيْنَ الخُصُومِ لِغَرَضٍ فاسِدٍ، فَقالَ: ﴿فَأصْلِحُوا بَيْنَ أخَوَيْكم واتَّقُوا اللَّهَ﴾ أوْ نَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿فَأصْلِحُوا﴾ إشارَةٌ إلى الصُّلْحِ، وقَوْلُهُ: (واتَّقُوا اللَّهَ) إشارَةٌ إلى ما يَصُونُهم عَنِ التَّشاجُرِ؛ لِأنَّ مَنِ اتَّقى اللَّهَ شَغَلَهُ تَقْواهُ عَنِ الِاشْتِغالِ بِغَيْرِهِ؛ ولِهَذا قالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”«المُسْلِمُ مَن سَلِمَ النّاسُ مِن لِسانِهِ و[ يَدِهِ» ]“ لِأنَّ المُسْلِمَ يَكُونُ مُنْقادًا لِأمْرِ اللَّهِ مُقْبِلًا عَلى عِبادِ اللَّهِ فَيَشْغَلُهُ عَيْبُهُ عَنْ عُيُوبِ النّاسِ، ويَمْنَعُهُ أنْ يُرْهِبَ الأخَ المُؤْمِنَ، وإلَيْهِ أشارَ النَّبِيُّ ﷺ: ”«المُؤْمِنُ مَن يَأْمَنُ جارُهُ بَوائِقَهُ» “ يَعْنِي اتَّقِ اللَّهَ فَلا تَتَفَرَّغْ لِغَيْرِهِ.المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: (إنَّما) لِلْحَصْرِ أيْ لا أُخُوَّةَ إلّا بَيْنَ المُؤْمِنِينَ، وأمّا بَيْنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ فَلا؛ لِأنَّ الإسْلامَ هو الجامِعُ؛ ولِهَذا إذا ماتَ المُسْلِمُ ولَهُ أخٌ كافِرٌ يَكُونُ مالُهُ لِلْمُسْلِمِينَ، ولا يَكُونُ لِأخِيهِ الكافِرِ، وأمّا الكافِرُ
صفحة ١١٢
فَكَذَلِكَ لِأنَّ في النَّسَبِ المُعْتَبَرَ الأبُ الَّذِي هو أبٌ شَرْعًا، حَتّى أنَّ ولَدَيِ الزِّنا مِن رَجُلٍ واحِدٍ لا يَرِثُ أحَدُهُما الآخَرُ، فَكَذَلِكَ الكُفْرُ كالجامِعِ الفاسِدِ فَهو كالجامِعِ العاجِزِ لا يُفِيدُ الأُخُوَّةَ؛ ولِهَذا مَن ماتَ مِنَ الكُفْرِ ولَهُ أخٌ مُسْلِمٌ ولا وارِثَ لَهُ مِنَ النَّسَبِ لا يُجْعَلُ مالُهُ لِلْكُفّارِ، ولَوْ كانَ الدِّينُ يَجْمَعُهم لَكانَ مالُ الكافِرِ لِلْكُفّارِ، كَما أنَّ مالَ المُسْلِمِ لِلْمُسْلِمِينَ عِنْدَ عَدَمِ الوارِثِ، فَإنْ قِيلَ: قَدْ ثَبَتَ أنَّ الأُخُوَّةَ لِلْإسْلامِ أقْوى مِنَ الأُخُوَّةِ النَّسَبِيَّةِ، بِدَلِيلِ أنَّ المُسْلِمَ يَرِثُهُ المُسْلِمُونَ ولا يَرِثُهُ الأخُ الكافِرُ مِنَ النَّسَبِ، فَلِمَ لَمْ يُقَدِّمُوا الأُخُوَّةَ الإسْلامِيَّةَ عَلى الأُخُوَّةِ النَّسَبِيَّةِ مُطْلَقًا حَتّى يَكُونَ مالُ المُسْلِمِ لِلْمُسْلِمِينَ لا لِإخْوَتِهِ مِنَ النَّسَبِ ؟ نَقُولُ: هَذا سُؤالٌ فاسِدٌ، وذَلِكَ لِأنَّ الأخَ المُسْلِمَ إذا كانَ أخًا مِنَ النَّسَبِ فَقَدِ اجْتَمَعَ فِيهِ أخُوَّتانِ فَصارَ أقْوى، والعُصُوبَةُ لِمَن لَهُ القُوَّةُ، ألا تَرى أنَّ الأخَ مِنَ الأبَوَيْنِ يَرِثُ ولا يَرِثُ الأخُ مِنَ الأبِ مَعَهُ فَكَذَلِكَ الأخُ المُسْلِمُ مِنَ النَّسَبِ لَهُ أخُوَّتانِ فَيُقَدَّمُ عَلى سائِرِ المُسْلِمِينَ، واللَّهُ أعْلَمُ.المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ النُّحاةُ: ”ما“ في هَذا المَوْضِعِ كافَّةٌ، تَكُفُّ ”إنَّ“ عَنِ