< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah049
Al-Hujuraat (49)
The Inner Apartments, madinah, 18 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
يَكُونُ إلّا نادِرَ الوُقُوعِ، وهو كَما تَظُنُّ كُلُّ طائِفَةٍ أنَّ الأُخْرى فِيها الكُفْرُ والفَسادُ، فالقِتالُ واجِبٌ كَما سَبَقَ في اللَّيالِي المُظْلِمَةِ، أوْ يَقَعُ لِكُلِّ واحِدٍ أنَّ القِتالَ جائِزٌ بِالِاجْتِهادِ، وهو خَطَأٌ، فَقالَ تَعالى: الِاقْتِتالُ لا يَقَعُ إلّا كَذا، فَإنْ بانَ لَهُما أوْ لِأحَدِهِما الخَطَأُ واسْتَمَرَّ عَلَيْهِ فَهو نادِرٌ، وعِنْدَ ذَلِكَ يَكُونُ قَدْ بَغى فَقالَ:﴿فَإنْ بَغَتْ إحْداهُما عَلى الأُخْرى﴾ يَعْنِي بَعْدَ اسْتِبانَةِ الأمْرِ، وحِينَئِذٍ فَقَوْلُهُ: ﴿فَإنْ بَغَتْ﴾ في غايَةِ الحُسْنِ؛ لِأنَّهُ يُفِيدُ النُّدْرَةَ وقِلَّةَ الوُقُوعِ، وفِيهِ أيْضًا مَباحِثُ:
الأوَّلُ: قالَ: ﴿فَإنْ بَغَتْ﴾ ولَمْ يَقُلْ: فَإنْ تَبْغِ لِما ذَكَرْنا في قَوْلِهِ تَعالى: (اقْتَتَلُوا) ولَمْ يَقُلْ: يَقْتَتِلُوا.
الثّانِي: قالَ: ﴿حَتّى تَفِيءَ﴾ إشارَةً إلى أنَّ القِتالَ لَيْسَ جَزاءً لِلْباغِي، كَحَدِّ الشُّرْبِ الَّذِي يُقامُ وإنْ تَرَكَ الشُّرْبَ، بَلِ القِتالُ إلى حَدِّ الفَيْئَةِ، فَإنْ فاءَتِ الفِئَةُ الباغِيَةُ حَرُمَ قِتالُهم.
الثّالِثُ: هَذا القِتالُ لِدَفْعِ الصّائِلِ، فَيَنْدَرِجُ فِيهِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا كانَتِ الفَيْئَةُ مِن إحْداهُما، فَإنْ حَصَلَتْ مِنَ الأُخْرى لا يُوجَدُ البَغْيُ الَّذِي لِأجْلِهِ حَلَّ القِتالُ.
الرّابِعُ: هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُؤْمِنَ بِالكَبِيرَةِ لا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ مُؤْمِنًا؛ لِأنَّ الباغِيَ جَعَلَهُ مِن إحْدى الطّائِفَتَيْنِ وسَمّاهُما مُؤْمِنِينَ.
الخامِسُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلى أمْرِ اللَّهِ﴾ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:
أحَدُها: إلى طاعَةِ الرَّسُولِ وأُولِي الأمْرِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ وأُولِي الأمْرِ مِنكُمْ﴾[النساء: ٥٩] .
وثانِيها: إلى أمْرِ اللَّهِ، أيْ إلى الصُّلْحِ فَإنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ﴾[الأنفال: ١] .
ثالِثُها: إلى أمْرِ اللَّهِ بِالتَّقْوى، فَإنَّ مَن خافَ اللَّهَ حَقَّ الخَوْفِ لا يَبْقى لَهُ عَداوَةٌ إلّا مَعَ الشَّيْطانِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الشَّيْطانَ لَكم عَدُوٌّ فاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾[فاطر: ٦] .
السّادِسُ: لَوْ قالَ قائِلٌ: قَدْ ذَكَرْتُمْ ما يَدُلُّ عَلى كَوْنِ الشَّرْطِ غَيْرَ مُتَوَقَّعِ الوُقُوعِ، وقُلْتُمْ بِأنَّ القِتالَ والبَغْيَ مِنَ المُؤْمِنِ نادِرٌ، فَإذَنْ تَكُونُ الفَيْئَةُ مُتَوَقَّعَةً، فَكَيْفَ قالَ: ﴿فَإنْ فاءَتْ﴾[الحجرات: ٩] ؟ نَقُولُ: قَوْلُ القائِلِ لِعَبْدِهِ: إنْ مِتُّ فَأنْتَ حُرٌّ، مَعَ أنَّ المَوْتَ لا بُدَّ مِن وُقُوعِهِ، لَكِنْ لَمّا كانَ وُقُوعُهُ بِحَيْثُ يَكُونُ العَبْدُ مَحَلًّا لِلْعِتْقِ بِأنْ يَكُونَ باقِيًا في مِلْكِهِ حَيًّا يَعِيشُ بَعْدَ وفاتِهِ غَيْرَ مَعْلُومٍ، فَكَذَلِكَ هَهُنا لَمّا كانَ الواقِعُ فَيْئَتَهم مِن تِلْقاءِ أنْفُسِهِمْ
صفحة ١١١
فَلَمّا لَمْ يَقَعْ دَلَّ عَلى تَأْكِيدِ الأخْذِ بَيْنَهم فَقالَ تَعالى: ﴿فَإنْ فاءَتْ﴾ بِقِتالِكم إيّاهم بَعْدَ اشْتِدادِ الأمْرِ والتِحامِ الحَرْبِ فَأصْلِحُوا، وفِيهِ مَعْنًى لَطِيفٌ، وهو أنَّهُ تَعالى أشارَ إلى أنَّ مَن لَمْ يَخَفِ اللَّهَ وبَغى لا يَكُونُ رُجُوعُهُ بِقِتالِكم إلّا جَبْرًا.السّابِعُ: قالَ هَهُنا: ﴿فَأصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالعَدْلِ﴾ ولَمْ يَذْكُرِ العَدْلَ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأصْلِحُوا﴾ نَقُولُ: لِأنَّ الإصْلاحَ هُناكَ بِإزالَةِ الِاقْتِتالِ نَفْسِهِ وذَلِكَ يَكُونُ بِالنَّصِيحَةِ أوِ التَّهْدِيدِ والزَّجْرِ والتَّعْذِيبِ، والإصْلاحُ هَهُنا بِإزالَةِ آثارِ القَتْلِ بَعْدَ انْدِفاعِهِ مِن ضَمانِ المُتْلَفاتِ وهو حُكْمٌ، فَقالَ: ﴿بِالعَدْلِ﴾ فَكَأنَّهُ قالَ: واحْكُمُوا بَيْنَهُما بَعْدَ تَرْكِهِما القِتالَ بِالحَقِّ وأصْلِحُوا بِالعَدْلِ مِمّا يَكُونُ بَيْنَهُما؛ لِئَلّا يُؤَدِّيَ إلى ثَوَرانِ الفِتْنَةِ بَيْنَهُما مَرَّةً أُخْرى.
الثّامِنُ: إذا قالَ: ﴿فَأصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالعَدْلِ﴾ فَأيَّةُ فائِدَةٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأقْسِطُوا﴾ ؟ نَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿فَأصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالعَدْلِ﴾ كانَ فِيهِ تَخْصِيصٌ بِحالٍ دُونَ حالٍ، فَعَمَّمَ الأمْرَ بِقَوْلِهِ: ﴿وأقْسِطُوا﴾ أيْ في كُلِّ أمْرٍ مُفْضٍ إلى أشْرَفِ دَرَجَةٍ وأرْفَعِ مَنزِلَةٍ وهي مَحَبَّةُ اللَّهِ، والإقْساطُ إزالَةُ القِسْطِ وهو الجَوْرُ، والقاسِطُ هو الجائِرُ، والتَّرْكِيبُ دالٌّ عَلى كَوْنِ الأمْرِ غَيْرَ مَرْضِيٍّ مِنَ القِسْطِ والقاسِطِ في القَلْبِ، وهو أيْضًا غَيْرُ مَرْضِيٍّ ولا مُعْتَدٍّ بِهِ، فَكَذَلِكَ القِسْطُ.
* *