< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


أوَّلِ السُّورَةِ المُشْرِكُونَ، ومِن أوَّلِ الأمْرِ كانُوا مُبْطِلِينَ، وأعْمالُهم كانَتْ عَلى غَيْرِ شَرِيعَةٍ، والمُرادُ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَهُنا أهْلُ الكِتابِ وكانَتْ لَهم أعْمالٌ قَبْلَ الرَّسُولِ فَأحْبَطَها اللَّهُ تَعالى بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمُ الرَّسُولَ ولا يَنْفَعُهم إيمانُهم بِالحَشْرِ والرُّسُلِ والتَّوْحِيدِ، والكافِرُ المُشْرِكُ أُحْبِطَ عَمَلُهُ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ عَلى شَرْعٍ أصْلًا ولا كانَ مُعْتَرِفًا بِالحَشْرِ.

الثّانِي: هو أنَّ المُرادَ بِالأعْمالِ هَهُنا مَكايِدُهم في القِتالِ وذَلِكَ في تَحَقُّقٍ مِنهم واللَّهُ سَيُبْطِلُهُ حَيْثُ يَكُونُ النَّصْرُ لِلْمُؤْمِنِينَ، والمُرادُ بِالأعْمالِ في أوَّلِ السُّورَةِ هو ما ظَنُّوهُ حَسَنَةً.

﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ ولا تُبْطِلُوا أعْمالَكُمْ﴾

العَطْفُ هَهُنا مِن بابِ عَطْفِ المُسَبَّبِ عَلى السَّبَبِ يُقالُ: اجْلِسْ واسْتَرِحْ وقُمْ وامْشِ لِأنَّ طاعَةَ اللَّهِ تُحْمَلُ عَلى طاعَةِ الرَّسُولِ، وهَذا إشارَةٌ إلى العَمَلِ بَعْدَ حُصُولِ العِلْمِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلِمْتُمُ الحَقَّ فافْعَلُوا الخَيْرَ، وقَوْلُهُ: ﴿ولا تُبْطِلُوا أعْمالَكُمْ﴾ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:

أحُدُها: دُومُوا عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ ولا تُشْرِكُوا فَتَبْطُلَ أعْمالُكم، قالَ تَعالى: ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾[الزُّمَرِ: ٦٥] الوَجْهُ الثّانِي: ﴿ولا تُبْطِلُوا أعْمالَكُمْ﴾

صفحة ٦٣

بِتَرْكِ طاعَةِ الرَّسُولِ كَما أبْطَلَ أهْلُ الكِتابِ أعْمالَهم بِتَكْذِيبِ الرَّسُولِ وعِصْيانِهِ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أصْواتَكُمْ﴾[الحُجُراتِ: ٢] إلى أنْ قالَ: ﴿أنْ تَحْبَطَ أعْمالُكم وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾[الحُجُراتِ: ٢] .

الثّالِثُ: ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى﴾[البَقَرَةِ: ٢٦٤] كَما قالَ تَعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أنْ أسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إسْلامَكُمْ﴾[الحُجُراتِ: ١٧] وذَلِكَ أنَّ مَن يَمُنُّ بِالطّاعَةِ عَلى الرَّسُولِ كَأنَّهُ يَقُولُ هَذا فَعَلْتُهُ لِأجْلِ قَلْبِكَ، ولَوْلا رِضاكَ بِهِ لَما فَعَلْتُ، وهو مُنافٍ لِلْإخْلاصِ، واللَّهُ لا يَقْبَلُ إلّا العَمَلَ الخالِصَ.

ثُمَّ قالَ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ ماتُوا وهم كُفّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ .

بَيَّنَ أنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ الشِّرْكَ وما دُونَ ذَلِكَ يَغْفِرُهُ إنْ شاءَ حَتّى لا يَظُنَّ ظانٌّ أنَّ أعْمالَهم وإنْ بَطَلَتْ لَكِنَّ فَضْلَ اللَّهِ باقٍ يَغْفِرُ لَهم بِفَضْلِهِ، وإنْ لَمْ يَغْفِرْ لَهم بِعَمَلِهِمْ.

ثُمَّ قالَ تَعالى ﴿فَلا تَهِنُوا وتَدْعُوا إلى السَّلْمِ وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ واللَّهُ مَعَكم ولَنْ يَتِرَكم أعْمالَكُمْ﴾ .

لَمّا بَيَّنَ أنَّ عَمَلَ الكافِرِ الَّذِي لَهُ صُورَةُ الحَسَناتِ مُحْبَطٌ، وذَنْبَهُ الَّذِي هو أقْبَحُ السَّيِّئاتِ غَيْرُ مَغْفُورٍ، بَيَّنَ أنْ لا حُرْمَةَ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ، وقَدْ أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِطاعَةِ الرَّسُولِ بِقَوْلِهِ: ﴿وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ وأمَرَ بِالقِتالِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا تَهِنُوا﴾ أيْ لا تَضْعُفُوا بَعْدَ ما وُجِدَ السَّبَبُ في الجِدِّ في الأمْرِ والِاجْتِهادِ في الجِهادِ فَقالَهُ: ﴿فَلا تَهِنُوا وتَدْعُوا إلى السَّلْمِ﴾ وفي الآياتِ تَرْتِيبٌ في غايَةِ الحُسْنِ، وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ يَقْتَضِي السَّعْيَ في القِتالِ لِأنَّ أمْرَ اللَّهِ وأمْرَ الرَّسُولِ ورَدَ بِالجِهادِ وقَدْ أُمِرُوا بِالطّاعَةِ، فَذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ لا يَضْعُفَ المُكَلَّفُ ولا يَكْسَلَ ولا يَهِنَ ولا يَتَهاوَنَ، ثُمَّ إنَّ بَعْدَ المُقْتَضى قَدْ يَتَحَقَّقُ مانِعٌ ولا يَتَحَقَّقُ المُسَبِّبُ، والمانِعُ مِنَ القِتالِ إمّا أُخْرَوِيٌّ وإمّا دُنْيَوِيٌّ، فَذَكَرَ الأُخْرَوِيَّ وهو أنَّ الكافِرَ لا حُرْمَةَ لَهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، لِأنَّهُ لا عَمَلَ لَهُ في الدُّنْيا ولا مَغْفِرَةَ لَهُ في الآخِرَةِ، فَإذا وُجِدَ السَّبَبُ ولَمْ يُوجَدِ المانِعُ يَنْبَغِي أنْ يَتَحَقَّقَ المُسَبِّبُ، ولَمْ يُقَدِّمِ المانِعَ الدُّنْيَوِيَّ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَهِنُوا﴾ إشارَةً إلى أنَّ الأُمُورَ الدُّنْيَوِيَّةَ لا يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ مانِعَةً مِنَ الإتْيانِ، فَلا تَهِنُوا فَإنَّ لَكُمُ النَّصْرَ، أوْ عَلَيْكم بِالعَزِيمَةِ عَلى تَقْدِيرِ الِاعْتِزامِ لِلْهَزِيمَةِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ المانِعُ الدُّنْيَوِيُّ مَعَ أنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ