< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah047
Muhammad (47)
Muhammad, madinah, 38 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
الَّذِي يَفْهَمُهُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ ولا يَفْهَمُهُ غَيْرُهُ، وهَذا يَحْتَمِلُ أمْرَيْنِ أيْضًا، والنَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَعْرِفُ المُنافِقَ ولَمْ يَكُنْ يُظْهِرُ أمْرَهُ إلى أنَّ أذِنَ اللَّهُ تَعالى لَهُ في إظْهارِ أمْرِهِمْ ومُنِعَ مِنَ الصَّلاةِ عَلى جَنائِزِهِمْ والقِيامِ عَلى قُبُورِهِمْ، وأمّا قَوْلُهُ:﴿بِسِيماهُمْ﴾ فالظّاهِرُ أنَّ المُرادَ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَوْ شاءَ لَجَعَلَ عَلى وُجُوهِهِمْ عَلامَةً أوْ يَمْسَخُهم كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ﴾[يس: ٦٧] ورُوِيَ أنَّ جَماعَةً مِنهم أصْبَحُوا وعَلى جِباهِهِمْ مَكْتُوبٌ هَذا مُنافِقٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ أعْمالَكُمْ﴾ وعْدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وبَيانٌ لِكَوْنِ حالِهِمْ عَلى خِلافِ حالِ المُنافِقِ، فَإنَّ المُنافِقَ كانَ لَهُ قَوْلٌ بِلا عَمَلٍ، والمُؤْمِنُ كانَ لَهُ عَمَلٌ ولا يَقُولُ بِهِ، وإنَّما قَوْلُهُ التَّسْبِيحُ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إنْ نَسِينا أوْ أخْطَأْنا﴾[البَقَرَةِ: ٢٨٦] وقَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وكَفِّرْ عَنّا سَيِّئاتِنا﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٩٣] وكانُوا يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ ويَتَكَلَّمُونَ في السَّيِّئاتِ مُسْتَغْفِرِينَ مُشْفِقِينَ، والمُنافِقُ كانَ يَتَكَلَّمُ في الصّالِحاتِ كَقَوْلِهِ: ﴿إنّا مَعَكُمْ﴾[البَقَرَةِ: ١٤]: ﴿قالَتِ الأعْرابُ آمَنّا﴾[الحُجُراتِ: ١٤]،: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا﴾[البَقَرَةِ: ٨] ويَعْمَلُ السَّيِّئَ فَقالَ تَعالى: اللَّهُ يَسْمَعُ أقْوالَهُمُ الفارِغَةَ ويَعْلَمُ أعْمالَكُمُ الصّالِحَةَ فَلا يُضَيِّعُ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم حَتّى نَعْلَمَ المُجاهِدِينَ مِنكم والصّابِرِينَ ونَبْلُوَ أخْبارَكُمْ﴾ .
أيْ لَنَأْمُرَنَّكم بِما لا يَكُونُ مُتَعَيِّنًا لِلْوُقُوعِ، بَلْ بِما يَحْتَمِلُ الوُقُوعَ ويَحْتَمِلُ عَدَمَ الوُقُوعِ كَما يَفْعَلُ المُخْتَبِرُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى نَعْلَمَ المُجاهِدِينَ﴾ أيْ نَعْلَمُ المُجاهِدِينَ مِن غَيْرِ المُجاهِدِينَ ويَدْخُلُ في عِلْمِ الشَّهادَةِ فَإنَّهُ تَعالى قَدْ عَلَّمَهُ عِلْمَ الغَيْبِ وقَدْ ذَكَرْنا ما هو التَّحْقِيقُ في الِابْتِلاءِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿حَتّى نَعْلَمَ﴾ وقَوْلُهُ:
صفحة ٦٢
: ﴿المُجاهِدِينَ﴾ أيِ المُقْدِمِينَ عَلى الجِهادِ: ﴿والصّابِرِينَ﴾ أيِ الثّابِتِينَ الَّذِينَ لا يُوَلُّونَ الأدْبارَ وقَوْلُهُ: ﴿ونَبْلُوَ أخْبارَكُمْ﴾ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:أحُدُها: قَوْلُهُ ”آمَنّا“ لِأنَّ المُنافِقَ وُجِدَ مِنهُ هَذا الخَبَرُ والمُؤْمِنَ وُجِدَ مِنهُ ذَلِكَ أيْضًا، وبِالجِهادِ يُعْلَمُ الصّادِقُ مِنَ الكاذِبِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾، [الحُجُراتِ: ١٥] .
وثانِيها: إخْبارُهم مِن عَدَمِ التَّوْلِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأدْبارَ﴾[الأحْزابِ: ١٥] والمُنافِقُ كانَ كالهَباءِ يَنْزَعِجُ بِأدْنى صَيْحَةٍ.
وثالِثُها: المُؤْمِنُ كانَ لَهُ أخْبارٌ صادِقَةٌ مَسْمُوعَةٌ مِنَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ﴾[الفَتْحِ: ٢٧]: ﴿لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ [المُجادَلَةِ: ٢١]، و﴿وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾[الصّافّاتِ: ١٧٣] ولِلْمُنافِقِ أخْبارٌ أراجِيفُ كَما قالَ تَعالى في حَقِّهِمْ: ﴿والمُرْجِفُونَ في المَدِينَةِ﴾[الأحْزابِ: ٦٠] فَعِنْدَ تَحَقُّقِ الإيجافِ، يَتَبَيَّنُ الصِّدْقُ مِنَ الإرْجافِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وشاقُّوا الرَّسُولَ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وسَيُحْبِطُ أعْمالَهُمْ﴾ . وفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: هم أهْلُ الكِتابِ قُرَيْظَةُ والنَّضِيرُ.
والثّانِي: كُفّارُ قُرَيْشٍ يَدُلُّ عَلى الأوَّلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدى﴾ قِيلَ: أهْلُ الكِتابِ تَبَيَّنَ لَهم صِدْقُ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَوْلُهُ: ﴿لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ تَهْدِيدٌ مَعْناهُ هم يَظُنُّونَ أنَّ ذَلِكَ الشِّقاقَ مَعَ الرَّسُولِ وهم بِهِ يُشاقُّونَهُ ولَيْسَ كَذَلِكَ، بَلِ الشِّقاقُ مَعَ اللَّهِ، فَإنَّمُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ما عَلَيْهِ إلّا البَلاغُ فَإنْ ضَرُّوا يَضُرُّوا الرُّسُلَ لَكِنَّ اللَّهَ مُنَزَّهٌ عَنْ أنْ يَتَضَرَّرَ بِكُفْرِ كافِرٍ وفِسْقِ فاسِقٍ، وقَوْلُهُ: ﴿وسَيُحْبِطُ أعْمالَهُمْ﴾ قَدْ عُلِمَ مَعْناهُ. فَإنْ قِيلَ: قَدْ تَقَدَّمَ في أوَّلِ السُّورَةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى أحْبَطَ أعْمالَهم فَكَيْفَ يُحْبَطُ في المُسْتَقْبَلِ ؟ فَنَقُولُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾في