< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


يَكُونَ مانِعًا لَيْسَ بِمَوْجُودٍ أيْضًا حَيْثُ: (أنْتُمُ الأعْلَوْنَ) والأعْلَوْنَ والمُصْطَفَوْنَ في الجَمْعِ حالَةَ الرَّفْعِ مَعْلُومُ الأصْلِ، ومَعْلُومٌ أنَّ الأمْرَ كَيْفَ آلَ إلى هَذِهِ الصِّيغَةِ في التَّصْرِيفِ، وذَلِكَ لِأنَّ أصْلَهُ في الجَمْعِ المُوافِقِ أعْلِيُونَ ومُصْطَفِيُونَ فَسُكِّنَتِ الياءُ لِكَوْنِها حَرْفَ عِلَّةٍ فَتَحَرَّكَ ما قَبْلَها، والواوُ كانَتْ ساكِنَةً فالتَقى ساكِنانِ ولَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِن حَذْفِ أحَدِهِما أوْ تَحْرِيكِهِ، والتَّحْرِيكُ كانَ يُوقِعُ في المَحْذُورِ الَّذِي اجْتُنِبَ مِنهُ فَوَجَبَ الحَذْفُ، والواوُ كانَتْ فِيهِ لِمَعْنًى لا يُسْتَفادُ إلّا مِنها وهو الجَمْعُ فَأُسْقِطَتِ الياءُ وبَقِيَ أعْلَوْنَ، وبِهَذا الدَّلِيلِ صارَ في الجَرِّ أعْلَيْنَ ومُصْطَفَيْنَ، وقَوْلُهُ تَعالى:﴿واللَّهُ مَعَكُمْ﴾ هِدايَةٌ وإرْشادٌ يَمْنَعُ المُكَلَّفَ مِنَ الإعْجابِ بِنَفْسِهِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ﴾ كانَ ذَلِكَ سَبَبَ الِافْتِخارِ فَقالَ: ﴿واللَّهُ مَعَكُمْ﴾ يَعْنِي لَيْسَ ذَلِكَ مِن أنْفُسِكم بَلْ مِنَ اللَّهِ، أوْ نَقُولُ لَمّا قالَ:

صفحة ٦٤

: ﴿وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ﴾ فَكانَ المُؤْمِنُونَ يَرَوْنَ ضَعْفَ أنْفُسِهِمْ وقِلَّتَهم مَعَ كَثْرَةِ الكُفّارِ وشَوْكَتِهِمْ وكانَ يَقَعُ في نَفْسِ بَعْضِهِمْ أنَّهم كَيْفَ يَكُونُ لَهُمُ الغَلَبَةُ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ مَعَكم لا يَبْقى لَكم شَكٌّ ولا ارْتِيابٌ في أنَّ الغَلَبَةَ لَكم وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ [المُجادَلَةِ: ٢١] وقَوْلِهِ: ﴿وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾[الصّافّاتِ: ١٧٣] وقَوْلُهُ: ﴿ولَنْ يَتِرَكم أعْمالَكُمْ﴾[مُحَمَّدٍ: ٣٥] وعْدٌ آخَرُ وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ لَمّا قالَ: إنَّ اللَّهَ مَعَكم، كانَ فِيهِ أنَّ النُّصْرَةَ بِاللَّهِ لا بِكم فَكانَ القائِلُ يَقُولُ لَمْ يَصْدُرْ مِنِّي عَمَلٌ لَهُ اعْتِبارٌ فَلا أسْتَحِقُّ تَعْظِيمًا، فَقالَ هو يَنْصُرُكم ومَعَ ذَلِكَ لا يَنْقُصُ مِن أعْمالِكم شَيْئًا، ويَجْعَلُ كَأنَّ النُّصْرَةَ جُعِلَتْ بِكم ومِنكم فَكَأنَّكم مُسْتَقِلُّونَ في ذَلِكَ ويُعْطِيكم أجْرَ المُسْتَبِدِّ، والتِّرَةُ النَّقْصُ، ومِنهُ المُوتِرُ كَأنَّهُ نَقَصَ مِنهُ ما يَشْفَعُهُ، ويَقُولُ عِنْدَ القِتالِ: إنْ قُتِلَ مِنَ الكافِرِينَ أحَدٌ فَقَدْ وُتِرُوا في أهْلِهِمْ وعَمَلِهِمْ حَيْثُ نَقَصَ عَدَدُهم وضاعَ عَمَلُهم، والمُؤْمِنُ إنْ قُتِلَ فَإنَّما يَنْقُصُ مِن عَدَدِهِ ولَمْ يَنْقُصْ مِن عَمَلِهِ، وكَيْفَ ولَمْ يَنْقُصْ مِن عَدَدِهِ أيْضًا، فَإنَّهُ حَيٌّ مَرْزُوقٌ فَرِحٌ بِما هو إلَيْهِ مَسُوقٌ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّما الحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ ولَهْوٌ وإنْ تُؤْمِنُوا وتَتَّقُوا يُؤْتِكم أُجُورَكم ولا يَسْألْكم أمْوالَكُمْ﴾ .

زِيادَةٌ في التَّسْلِيَةِ يَعْنِي كَيْفَ تَمْنَعُكَ الدُّنْيا مِن طَلَبِ الآخِرَةِ بِالجِهادِ، وهي لا تَفُوتُكَ لِكَوْنِكَ مَنصُورًا غالِبًا، وإنْ فاتَتْكَ فَعَمَلُكَ غَيْرُ مُوتَرٍ، فَكَيْفَ وما يَفُوتُكَ، فَإنْ فاتَ فائِتٌ ولَمْ يُعَوَّضْ لا يَنْبَغِي لَكَ أنْ تَلْتَفِتَ إلَيْها لِكَوْنِها لَعِبًا ولَهْوًا، وقَدْ ذَكَرْنا في اللَّعِبِ واللَّهْوِ مِرارًا أنَّ اللَّعِبَ ما تَشْتَغِلُ بِهِ ولا يَكُونُ فِيهِ ضَرُورَةٌ في الحالِ ولا مَنفَعَةٌ في المَآلِ، ثُمَّ إنِ اسْتَعْمَلَهُ الإنْسانُ ولَمْ يَشْغَلْهُ عَنْ غَيْرِهِ، ولَمْ يَثْنِهِ عَنْ أشْغالِهِ المُهِمَّةِ فَهو لَعِبٌ وإنْ شَغَلَهُ ودَهَشَهُ عَنْ مُهِمّاتِهِ فَهو لَهْوٌ، ولِهَذا يُقالُ: مَلاهٍ لِآلاتِ المَلاهِي لِأنَّها مَشْغَلَةٌ عَنِ الغَيْرِ، ويُقالُ لِما دُونَهُ لَعِبٌ كاللَّعِبِ بِالشِّطْرَنْجِ والحَمامِ، وقَدْ ذَكَرْنا ذَلِكَ غَيْرَ مَرَّةٍ، وقَوْلُهُ: ﴿وإنْ تُؤْمِنُوا وتَتَّقُوا يُؤْتِكم أُجُورَكُمْ﴾ إعادَةٌ لِلْوَعْدِ والإضافَةُ لِلتَّعْرِيفِ، أيِ الأجْرُ الَّذِي وعَدَكم بِقَوْلِهِ: ﴿أجْرٌ كَرِيمٌ﴾[الحَدِيدِ: ١١]: ﴿وأجْرٌ كَبِيرٌ﴾[المُلْكِ: ١٢]: ﴿وأجْرٌ عَظِيمٌ﴾[الحُجُراتِ: ٣] وقَوْلُهُ: ﴿ولا يَسْألْكم أمْوالَكُمْ﴾ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:

أحَدُها: أنَّ الجِهادَ لا بُدَّ لَهُ مِن إنْفاقٍ، فَلَوْ قالَ قائِلٌ أنا لا أُنْفِقُ مالِي، فَيُقالُ لَهُ: اللَّهُ لا يَسْألُكم مالَكم في الجِهاتِ المُعَيَّنَةِ مِنَ الزَّكاةِ والغَنِيمَةِ وأمْوالِ المَصالِحِ فِيما تَحْتاجُونَ إلَيْهِ مِنَ المالِ لا تُراعُونَ بِإخْراجِهِ.

وثانِيها: الأمْوالُ لِلَّهِ وهي في أيْدِيكم عارِيَةٌ وقَدْ طَلَبَ مِنكم أوْ أجازَ لَكم في صَرْفِها في جِهَةِ الجِهادِ فَلا مَعْنى لِبُخْلِكم