< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


فِعْلٍ، والفِعْلُ مِنهُ بَعْدَ كَرَمٍ، ومِن هَذا يُعْرَفُ لُطْفُ قَوْلِهِ:﴿ما أسْخَطَ اللَّهَ وكَرِهُوا رِضْوانَهُ﴾ .

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأحْبَطَ أعْمالَهُمْ﴾ حَيْثُ لَمْ يَطْلُبُوا إرْضاءَ اللَّهِ، وإنَّما طَلَبُوا إرْضاءَ الشَّيْطانِ والأصْنامِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أضْغانَهُمْ﴾ .

هَذا إشارَةٌ إلى المُنافِقِينَ و”أمْ“ تَسْتَدْعِي جُمْلَةً أُخْرى اسْتِفْهامِيَّةً إذا كانَتْ لِلِاسْتِفْهامِ، لِأنَّ كَلِمَةَ ”أمْ“ إذا كانَتْ مُتَّصِلَةً اسْتِفْهامِيَّةً تَسْتَدْعِي سَبْقَ جُمْلَةٍ أُخْرى اسْتِفْهامِيَّةٍ، يُقالُ: أزَيْدٌ في الدّارِ أمْ عَمْرٌو، وإذا كانَتْ مُنْقَطِعَةً لا تَسْتَدْعِي ذَلِكَ، يُقالُ: إنَّ هَذا لَزَيْدٌ أمْ عَمْرٌو، وكَما يُقالُ: بَلْ عَمْرٌو، والمُفَسِّرُونَ عَلى أنَّها مُنْقَطِعَةٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: إنَّها اسْتِفْهامِيَّةٌ، والسّابِقُ مَفْهُومٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ إسْرارَهُمْ﴾ فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: أحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ لَنْ يَعْلَمَ اللَّهُ إسْرارَهم أمْ حَسِبَ المُنافِقُونَ أنْ لَنْ يُظْهِرَها والكُلُّ قاصِرٌ، وإنَّما يَعْلَمُها ويُظْهِرُها، ويُؤَيِّدُ هَذا أنَّ المُنْقَطِعَةَ لا تَكادُ تَقَعُ في صَدْرِ الكَلامِ فَلا يُقالُ ابْتِداءً: بَلْ جاءَ زَيْدٌ، ولا أمْ جاءَ عَمْرٌو، والإخْراجُ بِمَعْنى الإظْهارِ فَإنَّهُ إبْرازٌ، والأضْغانُ هي الحُقُودُ والأمْراضُ، واحِدُها ضِغْنٌ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ نَشاءُ لَأرَيْناكَهم فَلَعَرَفْتَهم بِسِيماهم ولَتَعْرِفَنَّهم في لَحْنِ القَوْلِ واللَّهُ يَعْلَمُ أعْمالَكُمْ﴾ .

لَمّا كانَ مَفْهُومُ قَوْلِهِ: ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أضْغانَهُمْ﴾ أنَّ اللَّهَ يُظْهِرُ ضَمائِرَهم ويُبْرِزُ سَرائِرَهم كَأنَّ قائِلًا قالَ: فَلِمَ لَمْ يُظْهِرْ فَقالَ: أخَّرْناهُ لِمَحْضِ المَشِيئَةِ لا لِخَوْفٍ مِنهم، كَما لا تُفْشى أسْرارُ الأكابِرِ خَوْفًا مِنهم: ﴿ولَوْ نَشاءُ لَأرَيْناكَهُمْ﴾ أيْ لا مانِعَ لَنا والإراءَةُ بِمَعْنى التَّعْرِيفِ، وقَوْلُهُ

صفحة ٦١

: ﴿ولَتَعْرِفَنَّهُمْ﴾ لِزِيادَةِ فائِدَةٍ، وهي أنَّ التَّعْرِيفَ قَدْ يُطْلَقُ ولا يَلْزَمُهُ المَعْرِفَةُ، يُقالُ: عَرَّفْتُهُ ولَمْ يَعْرِفْ، وفَهَّمْتُهُ ولَمْ يَفْهَمْ فَقالَ هَهُنا: ﴿لَأرَيْناكَهم فَلَعَرَفْتَهُمْ﴾ يَعْنِي: عَرَّفْناهم تَعْرِيفًا تَعْرِفُهم بِهِ، إشارَةٌ إلى قُوَّةِ التَّعْرِيفِ، واللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَعَرَفْتَهُمْ﴾ هي الَّتِي تَقَعُ في جَزاءِ لَوْ كَما في قَوْلِهِ: ﴿لَأرَيْناكَهُمْ﴾ أُدْخِلَتْ عَلى المَعْرِفَةِ إشارَةً إلى أنَّ المَعْرِفَةَ كالمُرَتَّبَةِ عَلى المَشِيئَةِ كَأنَّهُ قالَ: ولَوْ نَشاءُ لَعَرَفْتَهم، لِيُفْهَمَ أنَّ المَعْرِفَةَ غَيْرُ مُتَأخِّرَةٍ عَنِ التَّعْرِيفِ فَتُفِيدُ تَأْكِيدَ التَّعْرِيفِ، أيْ لَوْ نَشاءُ لَعَرَّفْناكَ تَعْرِيفًا مَعَهُ المَعْرِفَةُ لا بَعْدَهُ، وأمّا اللّامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَتَعْرِفَنَّهُمْ﴾ جَوابٌ لِقَسَمٍ مَحْذُوفٍ كَأنَّهُ قالَ ولَتَعْرِفَنَّهم واللَّهِ، وقَوْلُهُ: ﴿فِي لَحْنِ القَوْلِ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ

أحَدُها: في مَعْنى القَوْلِ، وعَلى هَذا فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ القَوْلِ: قَوْلُهم أيْ لَتَعْرِفَنَّهم في مَعْنى قَوْلِهِمْ حَيْثُ يَقُولُونَ ما مَعْناهُ النِّفاقُ كَقَوْلِهِمْ حِينَ مَجِيءِ النَّصْرِ إنّا كُنّا مَعَكم، وقَوْلُهم: ﴿لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ﴾ [المُنافِقُونَ: ٨] وقَوْلُهم: ﴿إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ﴾[الأحْزابِ: ١٣] وغَيْرُ ذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ أيْ لَتَعْرِفَنَّهم في مَعْنى قَوْلِ اللَّهِ تَعالى حَيْثُ قالَ ما تَعْلَمُ مِنهُ حالَ المُنافِقِينَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وإذا كانُوا مَعَهُ عَلى أمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا﴾[النُّورِ: ٦٢] وقَوْلِهِ: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾[الأنْفالِ: ٢] إلى غَيْرِ ذَلِكَ.

وثانِيها: في مَيْلِ القَوْلِ عَنِ الصَّوابِ حَيْثُ قالُوا ما لَمْ يَعْتَقِدُوا، فَأمالُوا كَلامَهم حَيْثُ قالُوا: ﴿نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّكَ لَرَسُولُهُ واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ المُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ﴾ [المُنافِقُونَ: ١] وقالُوا: ﴿إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وما هي بِعَوْرَةٍ﴾[الأحْزابِ: ١٣]،: ﴿ولَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأدْبارَ﴾[الأحْزابِ: ١٥] إلى غَيْرِ ذَلِكَ.

وثالِثُها: في لَحْنِ القَوْلِ أيْ في الوَجْهِ الخَفِيِّ مِنَ القَوْلِ