< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


سَبَبَ هَذا التَّرْتِيبِ أنَّهُ قِيلَ: إنْ كُنْتُمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ فافْهَمُوا هَذِهِ الدَّلائِلَ، وإنْ كُنْتُمْ لَسْتُمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ بَلْ أنْتُمْ مِن طُلّابِ الحَقِّ واليَقِينِ فافْهَمُوا هَذِهِ الدَّلائِلَ، وإنْ كُنْتُمْ لَسْتُمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ ولا مِنَ المُوقِنِينَ فَلا أقَلَّ مِن أنْ تَكُونُوا مِن زُمْرَةِ العاقِلِينَ فاجْتَهِدُوا في مَعْرِفَةِ هَذِهِ الدَّلائِلِ.

واعْلَمْ أنَّ كَثِيرًا مِنَ الفُقَهاءِ يَقُولُونَ: إنَّهُ لَيْسَ في القُرْآنِ العُلُومُ الَّتِي يَبْحَثُ عَنْها المُتَكَلِّمُونَ، بَلْ لَيْسَ فِيهِ إلّا ما يَتَعَلَّقُ بِالأحْكامِ والفِقْهِ، وذَلِكَ غَفْلَةٌ عَظِيمَةٌ لِأنَّهُ لَيْسَ في القُرْآنِ سُورَةٌ طَوِيلَةٌ مُنْفَرِدَةٌ بِذِكْرِ الأحْكامِ، وفِيهِ سُوَرٌ كَثِيرَةٌ خُصُوصًا المَكِّيّاتُ لَيْسَ فِيها إلّا ذِكْرُ دَلائِلِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والبَعْثِ والقِيامَةِ، وكُلُّ ذَلِكَ مِن عُلُومِ الأُصُولِيِّينَ، ومَن تَأْمَّلَ عَلِمَ أنَّهُ لَيْسَ في يَدِ عُلَماءِ الأُصُولِ إلّا تَفْصِيلُ ما اشْتَمَلَ القُرْآنُ عَلَيْهِ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالحَقِّ﴾، والمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿بِالحَقِّ﴾ هو أنَّ صِحَّتَها مَعْلُومَةٌ بِالدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ وذَلِكَ لِأنَّ العِلْمَ بِأنَّها حَقَّةٌ صَحِيحَةٌ إمّا أنْ يَكُونَ مُسْتَفادًا مِنَ النَّقْلِ أوِ العَقْلِ، والأوَّلُ باطِلٌ لِأنَّ صِحَّةَ الدَّلائِلِ النَّقْلِيَّةِ مَوْقُوفَةٌ عَلى سَبْقِ العِلْمِ بِإثْباتِ الإلَهِ العالِمِ القادِرِ الحَكِيمِ وبِإثْباتِ النُّبُوَّةِ وكَيْفِيَّةِ دَلالَةِ المُعْجِزاتِ عَلى صِحَّتِها، فَلَوْ أثْبَتْنا هَذِهِ الأُصُولَ بِالدَّلائِلِ النَّقْلِيَّةِ لَزِمَ الدَّوْرُ وهو باطِلٌ، ولَمّا بَطَلَ هَذا ثَبَتَ أنَّ العِلْمَ بِحَقِيقَةِ هَذِهِ الدَّلائِلِ لا يُمْكِنُ تَحْصِيلُهُ إلّا بِمَحْضِ العَقْلِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ قَوْلُهُ: ﴿تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالحَقِّ﴾ مِن أعْظَمِ الدَّلائِلِ عَلى التَّرْغِيبِ في عِلْمِ الأُصُولِ وتَقْرِيرِ المَباحِثِ العَقْلِيَّةِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وآياتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ يَعْنِي أنَّ مَن لَمْ يَنْتَفِعْ بِهَذِهِ الآياتِ فَلا شَيْءَ بَعْدَهُ يَجُوزُ أنْ يَنْتَفِعَ بِهِ، وأبْطَلَ بِهَذا قَوْلَ مَن يَزْعُمُ أنَّ التَّقْلِيدَ كافٍ وبَيَّنَ أنَّهُ يَجِبُ عَلى المُكَلَّفِ التَّأمُّلُ في دَلائِلِ دِينِ اللَّهِ، وقَوْلُهُ: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ قُرِئَ بِالياءِ والتّاءِ، واخْتارَ أبُو عُبَيْدَةَ الياءَ لِأنَّ قَبْلَهُ غَيْبَةً وهو قَوْلُهُ: ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾

صفحة ٢٢٤

و﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ فَإنْ قِيلَ: إنَّ في أوَّلِ الكَلامِ خِطابًا وهو قَوْلُهُ: ﴿وفِي خَلْقِكُمْ﴾ قُلْنا: الغَيْبَةُ الَّتِي ذَكَرْنا أقْرَبُ إلى الحَرْفِ المُخْتَلَفِ فِيهِ والأقْرَبُ أوْلى، ووَجْهُ قَوْلِ مَن قَرَأ عَلى الخِطابِ أنَّ قُلْ فِيهِ مُقَدَّرٌ أيْ قُلْ لَهم: فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ ذَلِكَ تُؤْمِنُونَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويْلٌ لِكُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ﴾﴿يَسْمَعُ آياتِ اللَّهِ تُتْلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأنْ لَمْ يَسْمَعْها فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾﴿وإذا عَلِمَ مِن آياتِنا شَيْئًا اتَّخَذَها هُزُوًا أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾﴿مِن ورائِهِمْ جَهَنَّمُ ولا يُغْنِي عَنْهم ما كَسَبُوا شَيْئًا ولا ما اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾﴿هَذا هُدًى والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَهم عَذابٌ مِن رِجْزٍ ألِيمٌ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيْنَ الآياتِ لِلْكَفّارِ وبَيَّنَ أنَّهم بِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ إذا لَمْ يُؤْمِنُوا بِها مَعَ ظُهُورِها، أتْبَعَهُ بِوَعِيدٍ عَظِيمٍ لَهم فَقالَ: ﴿ويْلٌ لِكُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ﴾، الأفّاكُ الكَذّابُ، والأثِيمُ المُبالِغُ في اقْتِرافِ الآثامِ، واعْلَمْ أنَّ هَذا الأثِيمَ لَهُ مَقامانِ:

المَقامُ الأوَّلُ: أنْ يَبْقى مُصِرًّا عَلى الإنْكارِ والِاسْتِكْبارِ، فَقالَ تَعالى: ﴿يَسْمَعُ آياتِ اللَّهِ تُتْلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ﴾ أيْ يُقِيمُ عَلى كُفْرِهِ إقامَةً بِقُوَّةٍ وشِدَّةٍ ﴿مُسْتَكْبِرًا﴾ عَنِ الإيمانِ بِالآياتِ مُعْجَبًا بِما عِنْدَهُ، قِيلَ: نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ وما كانَ يَشْتَرِي مِن أحادِيثِ الأعاجِمِ ويَشْغَلُ بِها النّاسَ عَنِ اسْتِماعِ القُرْآنِ، والآيَةُ عامَّةٌ في كُلِّ مَن كانَ مَوْصُوفًا بِالصِّفَةِ المَذْكُورَةِ، فَإنْ قالُوا: ما مَعْنى ثُمَّ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ