< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


الوَجْهُ هو اخْتِيارُ أبِي الحَسَنِ والفَرّاءِ.

وأمّا وجْهُ القِراءَةِ بِالنَّصْبِ فَهو بِالعَطْفِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّ في السَّماواتِ﴾ عَلى مَعْنى (وإنَّ في خَلْقِكم لِآياتٍ) ويَقُولُونَ: هَذِهِ القِراءَةُ إنَّها في قِراءَةِ أُبَيٍّ وعَبْدِ اللَّهِ (لَآياتٍ)، ودُخُولُ اللّامِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الكَلامَ مَحْمُولٌ عَلى إنَّ.

البَحْثُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿وفِي خَلْقِكُمْ﴾ مَعْناهُ خَلْقُ الإنْسانِ، وقَوْلُهُ: ﴿وما يَبُثُّ مِن دابَّةٍ﴾ إشارَةٌ إلى خَلْقِ سائِرِ الحَيَواناتِ، ووَجْهُ دَلالَتِها عَلى وُجُودِ الإلَهِ القادِرِ المُخْتارِ أنَّ الأجْسامَ مُتَساوِيَةٌ، فاخْتِصاصُ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الأعْضاءِ بِكَوْنِهِ المُعَيَّنَ وصِفَتَهُ المُعَيَّنَةَ وشَكْلَهُ المُعَيَّنَ، لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ بِتَخْصِيصِ القادِرِ المُخْتارِ، ويَدْخُلُ في هَذا البابِ انْتِقالُهُ مِن سَنٍّ إلى سَنٍّ آخَرَ ومِن حالٍ إلى حالٍ آخَرَ، والِاسْتِقْصاءُ في هَذا البابِ قَدْ تَقَدَّمَ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ وهَذا الِاخْتِلافُ يَقَعُ عَلى وُجُوهٍ:

أحَدُها: تَبَدُّلُ النَّهارِ بِاللَّيْلِ وبِالضِّدِّ مِنهُ.

وثانِيها: أنَّهُ تارَةً يَزْدادُ طُولُ النَّهارِ عَلى طُولِ اللَّيْلِ وتارَةً بِالعَكْسِ، وبِمِقْدارِ ما يَزْدادُ في النَّهارِ الصَّيْفِيِّ يَزْدادُ في اللَّيْلِ الشِّتْوِيِّ.

وثالِثُها: اخْتِلافُ مَطالِعِ الشَّمْسِ في أيّامِ السَّنَةِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِن رِزْقٍ فَأحْيا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ وهو يَدُلُّ عَلى القَوْلِ بِالفاعِلِ المُخْتارِ مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: إنْشاءُ السَّحابِ وإنْزالُ المَطَرِ مِنهُ.

وثانِيها: تَوَلُّدُ النَّباتِ مِن تِلْكَ الحَبَّةِ الواقِعَةِ في الأرْضِ.

وثالِثُها: تَوَلُّدُ الأنْواعِ المُخْتَلِفَةِ وهي ساقُ الشَّجَرَةِ وأغْصانُها وأوْراقُها وثِمارُها، ثُمَّ تِلْكَ الثَّمَرَةُ مِنها ما يَكُونُ القِشْرُ مُحِيطًا بِاللُّبِّ كالجَوْزِ واللَّوْزِ، ومِنها ما يَكُونُ اللُّبُّ مُحِيطًا بِالقِشْرِ كالمِشْمِشِ والخَوْخِ، ومِنها ما يَكُونُ خالِيًا عَنِ القِشْرِ كالتِّينِ، فَتَوَلُّدُ أقْسامِ النَّباتِ عَلى كَثْرَةِ أصْنافِها وتَبايُنِ أقْسامِها يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ القَوْلِ بِالفاعِلِ المُخْتارِ الحَكِيمِ الرَّحِيمِ.

صفحة ٢٢٣

ثُمَّ قالَ: ﴿وتَصْرِيفِ الرِّياحِ﴾ وهي تَنْقَسِمُ إلى أقْسامٍ كَثِيرَةٍ بِحَسَبِ تَقْسِيماتٍ مُخْتَلِفَةٍ فَمِنها المَشْرِقِيَّةُ والمَغْرِبِيَّةُ والشَّمالِيَّةُ والجَنُوبِيَّةُ، ومِنها الحارَّةُ والبارِدَةُ، ومِنها الرِّياحُ النّافِعَةُ والرِّياحُ الضّارَّةُ، ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الأنْواعَ الكَثِيرَةَ مِنَ الدَّلائِلِ قالَ: إنَّها ﴿آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ .

واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى جَمَعَ هَذِهِ الدَّلائِلَ في سُورَةِ البَقَرَةِ فَقالَ: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ والفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي في البَحْرِ بِما يَنْفَعُ النّاسَ وما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِن ماءٍ فَأحْيا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وبَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ وتَصْرِيفِ الرِّياحِ والسَّحابِ المُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾[البقرة: ١٦٤]، فَذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الأقْسامَ الثَّمانِيَةَ مِنَ الدَّلائِلِ، والتَّفاوُتُ بَيْنَ المَوْضِعَيْنِ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾، وقالَ هَهُنا: ﴿إنَّ في السَّماواتِ﴾، والصَّحِيحُ عِنْدَ أصْحابِنا أنَّ الخَلْقَ عَيْنُ المَخْلُوقِ، وقَدْ ذَكَرَ لَفْظَ الخَلْقِ في سُورَةِ البَقَرَةِ ولَمْ يَذْكُرْهُ في هَذِهِ السُّورَةِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ لا يَتَفاوَتُ بَيْنَ أنْ يُقالَ: السَّماواتُ وبَيْنَ أنْ يُقالَ: خَلْقُ السَّماواتِ فَيَكُونُ هَذا دَلِيلًا عَلى أنَّ الخَلْقَ عَيْنُ المَخْلُوقِ.

الثّانِي: أنَّهُ ذَكَرَ هُناكَ ثَمانِيَةَ أنْواعٍ مِنَ الدَّلائِلِ، وذَكَرَ هَهُنا سِتَّةَ أنْواعٍ وأهْمَلَ مِنها الفُلْكَ والسَّحابَ، والسَّبَبُ أنَّ مَدارَ حَرَكَةِ الفُلْكِ والسَّحابِ عَلى الرِّياحِ المُخْتَلِفَةِ، فَذِكْرُ الرِّياحِ الَّذِي هو كالسَّبَبِ يُغْنِي عَنْ ذِكْرِهِما.

والتَّفاوُتُ الثّالِثُ: أنَّهُ جَمَعَ الكُلَّ وذَكَرَ لَها مَقْطَعًا واحِدًا، وهَهُنا رَتَّبَها عَلى ثَلاثَةِ مَقاطِعَ، والغَرَضُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِن إفْرادِ كُلِّ واحِدٍ مِنها بِنَظَرٍ تامٍّ شافٍ.

الرّابِعُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في هَذا المَوْضِعِ ثَلاثَةَ مَقاطِعَ: أوَّلُها: يُؤْمِنُونَ، وثانِيها: يُوقِنُونَ، وثالِثُها: يَعْقِلُونَ، وأظُنُّ أنَّ