< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


السِّتَّةِ، فَحِينَئِذٍ يَقَعُ تَخْلِيقُ السَّماواتِ والأرْضِ في أكْثَرَ مِن سِتَّةِ أيّامٍ، وذَلِكَ باطِلٌ.

الخامِسُ: أنَّهُ لا نِزاعَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ وهي دُخانٌ فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ كِنايَةٌ عَنْ إيجادِ السَّماءِ والأرْضِ، فَلَوْ تَقَدَّمَ إيجادُ السَّماءِ عَلى إيجادِ الأرْضِ لَكانَ قَوْلُهُ: ﴿اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ يَقْتَضِي إيجادَ المَوْجُودِ وأنَّهُ مُحالٌ باطِلٌ.

فَهَذا تَمامُ البَحْثِ عَنْ هَذا الجَوابِ المَشْهُورِ، ونَقَلَ الواحِدِيُّ في ”البَسِيطِ“ عَنْ مُقاتِلٍ أنَّهُ قالَ: خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ قَبْلَ الأرْضِ، وتَأْوِيلُ قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ ثُمَّ كانَ قَدِ اسْتَوى إلى السَّماءِ وهي دُخانٌ، وقالَ لَها قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ الأرْضَ فَأضْمَرَ فِيهِ كانَ كَما قالَ تَعالى: ﴿قالُوا إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ﴾[يوسف: ٧٧] مَعْناهُ إنْ يَكُنْ سَرَقَ، وقالَ تَعالى: ﴿وكَمْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا﴾[الأعراف: ٤] والمَعْنى فَكانَ قَدْ جاءَها.

هَذا ما نَقَلَهُ الواحِدِيُّ وهو عِنْدِي ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ تَقْدِيرَ الكَلامِ ثُمَّ كانَ قَدِ اسْتَوى إلى السَّماءِ، وهَذا جَمْعٌ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ؛ لِأنَّ كَلِمَةَ (ثُمَّ) تَقْتَضِي التَّأْخِيرَ، وكَلِمَةَ كانَ تَقْتَضِي التَّقْدِيمَ، والجَمْعُ بَيْنَهُما يُفِيدُ

صفحة ٩٢

التَّناقُضَ، وذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لَمْ يُمْكِنْ إجْراؤُهُ عَلى ظاهِرِهِ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ إنَّما حَصَلَ قَبْلَ وُجُودِهِما، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ امْتَنَعَ حَمْلُ قَوْلِهِ: (ائْتِيا) عَلى الأمْرِ والتَّكْلِيفِ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى ما ذَكَرْناهُ، بَقِيَ عَلى لَفْظِ الآيَةِ سُؤالاتٌ:

السُّؤالُ الأوَّلُ: ما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ ؟ الجَوابُ: المَقْصُودُ مِنهُ إظْهارُ كَمالِ القُدْرَةِ، والتَّقْدِيرُ: ائْتِي شِئْتُما ذَلِكَ أوْ أبَيْتُما، كَما يَقُولُ الجَبّارُ لِمَن تَحْتَ يَدِهِ: لَتَفْعَلَنَّ هَذا شِئْتَ أوْ لَمْ تَشَأْ، ولَتَفْعَلَنَّهُ طَوْعًا أوْ كَرْهًا، وانْتِصابُهُما عَلى الحالِ بِمَعْنى طائِعِينَ أوْ مُكْرَهِينَ (قالَتا أتَيْنا) عَلى الطَّوْعِ لا عَلى الكَرْهِ، وقِيلَ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ السَّماءَ والأرْضَ ثُمَّ ذَكَرَ الطَّوْعَ والكَرْهَ، فَوَجَبَ أنْ يَنْصَرِفَ الطَّوْعُ إلى السَّماءِ والكَرْهُ إلى الأرْضِ بِتَخْصِيصِ السَّماءِ بِالطَّوْعِ لِوُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّ السَّماءَ في دَوامِ حَرَكَتِها عَلى نَهْجٍ واحِدٍ لا يَخْتَلِفُ، تُشْبِهُ حَيَوانًا مُطِيعًا لِلَّهِ تَعالى بِخِلافِ الأرْضِ، فَإنَّها مُخْتَلِفَةُ الأحْوالِ، تارَةً تَكُونُ في السُّكُونِ وأُخْرى في الحَرَكاتِ المُضْطَرِبَةِ.

وثانِيها: أنَّ المَوْجُودَ في السَّماءِ لَيْسَ لَها إلّا الطّاعَةُ، قالَ تَعالى: ﴿يَخافُونَ رَبَّهم مِن فَوْقِهِمْ ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾[النحل: ٥٠] وأمّا أهْلُ الأرْضِ فَلَيْسَ الأمْرُ في حَقِّهِمْ كَذَلِكَ.

وثالِثُها: السَّماءُ مَوْصُوفَةٌ بِكَمالِ الحالِ في جَمِيعِ الأُمُورِ، قالُوا: إنَّها أفْضَلُ الألْوانِ وهي المُسْتَنِيرَةُ، وأشْكالُها أفْضَلُ الأشْكالِ وهي المُسْتَدِيرَةُ، ومَكانُها أفْضَلُ الأمْكِنَةِ وهو الجَوُّ العالِي، وأجْرامُها أفْضَلُ الأجْرامِ وهي الكَواكِبُ المُتَلَأْلِئَةُ بِخِلافِ الأرْضِ فَإنَّها مَكانُ الظُّلْمَةِ والكَثافَةِ واخْتِلافِ الأحْوالِ وتَغَيُّرِ الذَّواتِ والصِّفاتِ.

فَلا جَرَمَ وقَعَ التَّعْبِيرُ عَنْ تَكَوُّنِ السَّماءِ بِالطَّوْعِ، وعَنْ تَكَوُّنِ الأرْضِ بِالكُرْهِ، وإذا كانَ مَدارُ خَلْقِ الأرْضِ عَلى الكُرْهِ كانَ أهْلُها مَوْصُوفِينَ أبَدًا بِما يُوجِبُ الكُرْهَ والكَرْبَ والقَهْرَ والقَسْرَ.

السُّؤالُ الثّانِي: ما المُرادُ مِن قَوْلِهِ: (ائْتِيا) ومِن قَوْلِهِ: (أتَيْنا) ؟ الجَوابُ: المُرادُ ائْتِيا إلى الوُجُودِ والحُصُولِ وهو كَقَوْلِهِ (كُنْ فَيَكُونُ) وقِيلَ: المَعْنى ائْتِيا عَلى ما يَنْبَغِي أنْ تَأْتِيا عَلَيْهِ مِنَ الشَّكْلِ والوَصْفِ، أيْ بِأرْضٍ مَدْحُوَّةٍ قَرارًا ومِهادًا، وأيْ بِسَماءٍ مَقْبِيَّةٍ سَقْفًا لَهم، ومَعْنى الإتْيانِ الحُصُولُ والوُقُوعُ عَلى وفْقِ المُرادِ، كَما تَقُولُ: أتى عَمَلُهُ مَرْضِيًّا وجاءَ مَقْبُولًا، ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ المَعْنى لِتَأْتِ كُلُّ واحِدَةٍ مِنكم صاحِبَتَها الإتْيانَ الَّذِي تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ والتَّدْبِيرُ مِن كَوْنِ الأرْضِ قَرارًا لِلسَّماءِ وكَوْنِ السَّماءِ سَقْفًا