< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


لِلْأرْضِ.

السُّؤالُ الثّالِثُ: هَلّا قِيلَ: طائِعِينَ عَلى اللَّفْظِ أوْ طائِعاتٍ عَلى المَعْنى؛ لِأنَّهُما سَماواتٌ وأرَضُونَ ؟

الجَوابُ: لَمّا جُعِلْنَ مُخاطَباتٍ ومُجِيباتٍ ووُصِّينَ بِالطَّوْعِ والكَرْهِ قِيلَ طائِعِينَ في مَوْضِعِ طائِعاتٍ نَحْوَ قَوْلِهِ: (ساجِدِينَ) [الحجر: ٢٩] ومِنهم مَنِ اسْتَدَلَّ بِهِ عَلى كَوْنِ السَّماواتِ أحْياءً، وقالَ: الأرْضُ في جَوْفِ السَّماواتِ أقَلُّ مِنَ الذَّرَّةِ الصَّغِيرَةِ في جَوْفِ الجَبَلِ الكَبِيرِ، فَلِهَذا السَّبَبِ صارَتِ اللَّفْظَةُ الدّالَّةُ العَقْلَ والحَياةُ غالِبَةً، إلّا أنَّ هَذا القَوْلَ باطِلٌ، لِإجْماعِ المُتَكَلِّمِينَ عَلى فَسادِهِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ في يَوْمَيْنِ﴾ وقَضاءُ الشَّيْءِ إنَّما هو إتْمامُهُ والفَراغُ مِنهُ والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿فَقَضاهُنَّ﴾ يَجُوزُ أنْ يَرْجِعَ إلى السَّماءِ عَلى المَعْنى كَما قالَ: (طائِعِينَ) ونَحْوُهُ ﴿أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾[الحاقة: ٧] ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرًا مُبْهَمًا مُفَسَّرًا بِسَبْعِ سَماواتٍ، والفَرْقُ بَيْنَ النَّصْبَيْنِ أنَّ أحَدَهُما عَلى الحالِ، والثّانِيَ عَلى التَّمْيِيزِ.

صفحة ٩٣

ذَكَرَ أهْلُ الأثَرِ أنَّهُ تَعالى خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمِ الأحَدِ والِاثْنَيْنِ وخَلَقَ ما في سائِرِ الأرْضِ في يَوْمِ الثُّلاثاءِ والأرْبِعاءِ، وخَلَقَ السَّماواتِ وما فِيها في يَوْمِ الخَمِيسِ والجُمُعَةِ وفَرَغَ في آخِرِ ساعَةٍ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فَخَلَقَ فِيها آدَمَ وهي السّاعَةُ الَّتِي تَقُومُ فِيها القِيامَةُ، فَإنْ قِيلَ: اليَوْمُ عِبارَةٌ عَنِ النَّهارِ واللَّيْلِ وذَلِكَ إنَّما يَحْصُلُ بِسَبَبِ طُلُوعِ الشَّمْسِ وغُرُوبِها، وقَبْلَ حُدُوثِ السَّماواتِ والشَّمْسِ والقَمَرِ كَيْفَ يُعْقَلُ حُصُولُ اليَوْمِ ؟

قُلْنا: مَعْناهُ إنَّهُ مَضى مِنَ المُدَّةِ ما لَوْ حَصَلَ هُناكَ فَلَكٌ وشَمْسٌ لَكانَ المِقْدارُ مُقَدَّرًا بِيَوْمٍ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأوْحى في كُلِّ سَماءٍ أمْرَها﴾ قالَ مُقاتِلٌ أمَرَ في كُلِّ سَماءٍ بِما أرادَ، وقالَ قَتادَةُ: خَلَقَ فِيها شَمْسَها وقَمَرَها ونُجُومَها، وقالَ السُّدِّيُّ: خَلَقَ في كُلِّ سَماءِ خَلَقَها مِنَ المَلائِكَةِ وما فِيها مِنَ البِحارِ وجِبالِ البَرَدِ، قالَ: ولِلَّهِ في كُلِّ سَماءٍ بَيْتٌ يَحُجُّ إلَيْهِ ويَطُوفُ بِهِ المَلائِكَةُ كُلُّ واحِدٍ مِنها مُقابِلَ الكَعْبَةِ، ولَوْ وقَعَتْ مِنهُ حَصاةٌ ما وقَعَتْ إلّا عَلى الكَعْبَةِ، والأقْرَبُ أنْ يُقالَ: قَدْ ثَبَتَ في عِلْمِ النَّحْوِ أنَّهُ يَكْفِي في حُسْنِ الإضافَةِ أدْنى سَبَبٍ، ولِلَّهِ تَعالى عَلى أهْلِ كُلِّ سَماءٍ تَكْلِيفٌ خاصٌّ.

فَمِنَ المَلائِكَةِ مَن هو في القِيامِ في أوَّلِ خَلْقِ العالَمِ إلى قِيامِ القِيامَةِ، ومِنهم رُكُوعٌ لا يَنْتَصِبُونَ ومِنهم سُجُودٌ لا يَرْفَعُونَ، وإذا كانَ ذَلِكَ الأمْرُ مُخْتَصًّا بِأهْلِ ذَلِكَ السَّماءِ كانَ ذَلِكَ الأمْرُ مُخْتَصًّا بِتِلْكَ السَّماءِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأوْحى في كُلِّ سَماءٍ أمْرَها﴾ أيْ وكانَ قَدْ خَصَّ كُلَّ سَماءٍ بِالأمْرِ المُضافِ إلَيْها كَقَوْلِهِ: ﴿وكَمْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا﴾[الأعراف: ٤] والمَعْنى فَكانَ قَدْ جاءَها.

هَذا ما نَقَلَهُ الواحِدِيُّ وهو عِنْدِي ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ تَقْدِيرَ الكَلامِ ثُمَّ كانَ قَدِ اسْتَوى إلى السَّماءِ وكانَ قَدْ أوْحى، وهَذا جَمْعٌ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ لِأنَّ كَلِمَةَ ثُمَّ تَقْتَضِي التَّأْخِيرَ وكَلِمَةَ كانَ تَقْتَضِي التَّقْدِيمَ فالجَمْعُ بَيْنَهُما يُفِيدُ التَّناقُضَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ القائِلِ: ضَرَبْتُ اليَوْمَ زَيْدًا ثُمَّ ضَرَبْتُ عَمْرًا بِالأمْسِ، فَكَما أنَّ هَذا باطِلٌ فَكَذا ما ذَكَرْتُمُوهُ، وإنَّما يَجُوزُ تَأْوِيلُ كَلامِ اللَّهِ بِما لا يُؤَدِّي إلى وُقُوعِ التَّناقُضِ والرَّكاكَةِ فِيهِ.

والمُخْتارُ عِنْدِي أنْ يُقالَ: خَلْقُ السَّماواتِ مُقَدَّمٌ عَلى خَلْقِ الأرْضِ، بَقِيَ أنْ يُقالَ: كَيْفَ تَأْوِيلُ هَذِهِ الآيَةِ ؟ فَنَقُولُ: الخَلْقُ لَيْسَ عِبارَةً عَنِ التَّكْوِينِ والإيجادِ، بَلْ هو عِبارَةٌ عَنِ التَّقْدِيرِ، والتَّقْدِيرُ حَقُّ اللَّهِ تَعالى هو حُكْمُهُ بِأنَّهُ سَيُوجِدُهُ وقَضاؤُهُ بِذَلِكَ، وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ ﴿خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ﴾مَعْناهُ أنَّهُ قَضى بِحُدُوثِهِ في يَوْمَيْنِ، وقَضاءُ اللَّهِ بِأنَّهُ سَيُحْدِثُ كَذا في مُدَّةِ كَذا، لا يَقْتَضِي حُدُوثَ ذَلِكَ الشَّيْءِ في الحالِ،