< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah041
Fussilat (41)
Explained in detail, makkah, 54 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
وهَذا هو المَعْقُولُ؛ لِأنّا قَدْ دَلَّلْنا في المَعْقُولاتِ عَلى أنَّ الظُّلْمَةَ لَيْسَتْ كَيْفِيَّةً وُجُودِيَّةً، بِدَلِيلِ أنَّهُ لَوْ جَلَسَ إنْسانٌ في ضَوْءِ السِّراجِ وإنْسانٌ آخَرُ في الظُّلْمَةِ، فَإنَّ الَّذِي جَلَسَ في الضَّوْءِ لا يَرى مَكانَ الجالِسِ في الظُّلْمَةِ، ويَرى ذَلِكَ الهَواءَ مُظْلِمًا.
وأمّا الَّذِي جَلَسَ في الظُّلْمَةِ فَإنَّهُ يَرى ذَلِكَ الَّذِي كانَ جالِسًا في الضَّوْءِ، ويَرى ذَلِكَ الهَواءَ مُضِيئًا، ولَوْ كانَتِ الظُّلْمَةُ صِفَةً قائِمَةً بِالهَواءِ لَما اخْتَلَفَتِ الأحْوالُ بِحَسَبِ اخْتِلافِ أحْوالِ النّاظِرِينَ، فَثَبَتَ أنَّ الظُّلْمَةَ عِبارَةٌ عَنْ عَدَمِ النُّورِ، ثُمَّ لَمّا رَكَّبَها وجَعَلَها سَماواتٍ وكَواكِبَ وشَمْسًا وقَمَرًا، وأحْدَثَ صِفَةَ الضَّوْءِ فِيها فَحِينَئِذٍ صارَتْ مُسْتَنِيرَةً، فَثَبَتَ أنَّ تِلْكَ الأجْزاءَ حِينَ قَصَدَ اللَّهُ تَعالى أنْ يَخْلُقَ مِنها السَّماواتِ والشَّمْسَ
صفحة ٩١
والقَمَرَ كانَتْ مُظْلِمَةً، فَصَحَّ تَسْمِيَتُها بِالدُّخانِ؛ لِأنَّهُ لا مَعْنى لِلدُّخانِ إلّا أجْزاءً مُتَفَرِّقَةً غَيْرَ مُتَواصِلَةٍ عَدِيمَةَ النُّورِ، فَهَذا ما خَطَرَ بِالبالِ في تَفْسِيرِ الدُّخانِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الحالِ.* * *
البَحْثُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ وهي دُخانٌ﴾ مُشْعِرٌ بِأنَّ تَخْلِيقَ السَّماءِ حَصَلَ بَعْدَ تَخْلِيقِ الأرْضِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾[النازعات: ٣٠] مُشْعِرٌ بِأنَّ تَخْلِيقَ الأرْضِ حَصَلَ بَعْدَ تَخْلِيقِ السَّماءِ، وذَلِكَ يُوجِبُ التَّناقُضَ، واخْتَلَفَ العُلَماءُ في هَذِهِ المَسْألَةِ، والجَوابُ المَشْهُورُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ أوَّلًا ثُمَّ خَلَقَ بَعْدَها السَّماءَ، ثُمَّ بَعْدَ خَلْقِ السَّماءِ دَحا الأرْضَ، وبِهَذا الطَّرِيقِ يَزُولُ التَّناقُضُ.واعْلَمْ أنَّ هَذا الجَوابَ مُشْكِلٌ عِنْدِي مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ، ثُمَّ إنَّهُ في اليَوْمِ الثّالِثِ ﴿جَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِن فَوْقِها وبارَكَ فِيها وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها﴾ وهَذِهِ الأحْوالُ لا يُمْكِنُ إدْخالُها في الوُجُودِ إلّا بَعْدَ أنْ صارَتِ الأرْضُ مَدْحُوَّةً؛ لِأنَّ خَلْقَ الجِبالِ فِيها لا يُمْكِنُ إلّا بَعْدَ أنْ صارَتِ الأرْضُ مَدْحُوَّةً مُنْبَسِطَةً، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وبارَكَ فِيها﴾ مُفَسَّرٌ بِخَلْقِ الأشْجارِ والنَّباتِ والحَيَوانِ فِيها، وذَلِكَ لا يُمْكِنُ إلّا بَعْدَ صَيْرُورَتِها مُنْبَسِطَةً، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ فَهَذا يَقْتَضِي أنَّهُ تَعالى خَلَقَ السَّماءَ بَعْدَ خَلْقِ الأرْضِ وبَعْدَ أنْ جَعَلَها مَدْحُوَّةً. وحِينَئِذٍ يَعُودُ السُّؤالُ المَذْكُورُ.
الثّانِي: أنَّهُ قَدْ دَلَّتِ الدَّلائِلُ الهَنْدَسِيَّةُ عَلى أنَّ الأرْضَ كُرَةٌ، فَهي في أوَّلِ حُدُوثِها إنْ قُلْنا: إنَّها كانَتْ كُرَةً والآنَ بَقِيَتْ كُرَةً أيْضًا فَهي مُنْذُ خُلِقَتْ كانَتْ مَدْحُوَّةً، وإنْ قُلْنا: إنَّها غَيْرُ كُرَةٍ ثُمَّ جُعِلَتْ كُرَةً فَيَلْزَمُ أنْ يُقالَ: إنَّها كانَتْ مَدْحُوَّةً قَبْلَ ذَلِكَ ثُمَّ أُزِيلَ عَنْها هَذِهِ الصِّفَةُ، وذَلِكَ باطِلٌ.
الثّالِثُ: أنَّ الأرْضَ جِسْمٌ في غايَةِ العِظَمِ، والجِسْمُ الَّذِي يَكُونُ كَذَلِكَ فَإنَّهُ مِن أوَّلِ دُخُولِهِ في الوُجُودِ يَكُونُ مَدْحُوًّا، فَيَكُونُ القَوْلُ بِأنَّها ما كانَتْ مَدْحُوَّةً، ثُمَّ صارَتْ مَدْحُوَّةً قَوْلًا باطِلًا، والَّذِي جاءَ في كُتُبِ التَّوارِيخِ أنَّ الأرْضَ خُلِقَتْ في مَوْضِعِ الصَّخْرَةِ بِبَيْتِ المَقْدِسِ، فَهو كَلامٌ مُشْكِلٌ؛ لِأنَّهُ إنْ كانَ المُرادُ أنَّها عَلى عِظَمِها خُلِقَتْ في ذَلِكَ المَوْضِعِ، فَهَذا قَوْلٌ بِتَداخُلِ الأجْسامِ الكَثِيفَةِ وهو مُحالٌ.
وإنْ كانَ المُرادُ مِنهُ أنَّهُ خَلَقَ أوَّلًا أجْزاءً صَغِيرَةً في ذَلِكَ المَوْضِعِ ثُمَّ خَلَقَ بَقِيَّةَ أجْزائِها، وأُضِيفَتْ إلى تِلْكَ الأجْزاءِ الَّتِي خُلِقَتْ أوَّلًا، فَهَذا يَكُونُ اعْتِرافًا بِأنَّ تَخْلِيقَ الأرْضِ وقَعَ مُتَأخِّرًا عَنْ تَخْلِيقِ السَّماءِ.
الرّابِعُ: أنَّهُ لَمّا حَصَلَ تَخْلِيقُ ذاتِ الأرْضِ في يَوْمَيْنِ وتَخْلِيقُ سائِرِ الأشْياءِ المَوْجُودَةِ في الأرْضِ في يَوْمَيْنِ آخَرَيْنِ وتَخْلِيقُ السَّماواتِ في يَوْمَيْنِ آخَرَيْنِ كانَ مَجْمُوعُ ذَلِكَ سِتَّةَ أيّامٍ، فَإذا حَصَلَ دَحْوُ الأرْضِ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَقَدْ حَصَلَ هَذا الدَّحْوُ في زَمانٍ آخَرَ بَعْدَ الأيّامِ