< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah041
Fussilat (41)
Explained in detail, makkah, 54 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
تَعالى ذَكَرَ أنَّهُ خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ، وذَكَرَ أنَّهُ أصْلَحَ هَذِهِ الأنْواعَ الثَّلاثَةَ في أرْبَعَةِ أيّامٍ أُخَرَ، وذَكَرَ أنَّهُ خَلَقَ السَّماواتِ في يَوْمَيْنِ، فَيَكُونُ المَجْمُوعُ ثَمانِيَةَ أيّامٍ، لَكِنَّهُ ذَكَرَ في سائِرِ الآياتِ أنَّهُ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ فَلَزِمَ التَّناقُضُ.
واعْلَمْ أنَّ العُلَماءَ أجابُوا عَنْهُ بِأنْ قالُوا: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها في أرْبَعَةِ أيّامٍ﴾ مَعَ اليَوْمَيْنِ الأوَّلِينَ، وهَذا كَقَوْلِ القائِلِ: سِرْتُ مِنَ البَصْرَةِ إلى بَغْدادَ في عَشَرَةِ أيّامٍ، وسِرْتُ إلى الكُوفَةِ في خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا يُرِيدُ كِلا المَسافَتَيْنِ، ويَقُولُ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ أعْطَيْتُكَ ألْفًا في شَهْرٍ وأُلُوفًا في شَهْرَيْنِ فَيَدْخُلُ الألْفُ في الأُلُوفِ والشَّهْرُ في الشَّهْرَيْنِ.
السُّؤالُ الثّانِي: أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ، فَلَوْ ذَكَرَ أنَّهُ خَلَقَ هَذِهِ الأنْواعَ الثَّلاثَةَ الباقِيَةَ في يَوْمَيْنِ آخَرَيْنِ كانَ أبْعَدَ عَنِ الشُّبْهَةِ وأبْعَدَ عَنِ الغَلَطِ، فَلِمَ تَرَكَ هَذا التَّصْرِيحَ، وذَكَرَ ذَلِكَ الكَلامَ المُجْمَلَ ؟
صفحة ٩٠
والجَوابُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فِي أرْبَعَةِ أيّامٍ سَواءً لِلسّائِلِينَ﴾ فِيهِ فائِدَةٌ عَلى ما إذا قالَ: خَلَقْتُ هَذِهِ الثَّلاثَةَ في يَوْمَيْنِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَوْ قالَ: خَلَقْتُ هَذِهِ الأشْياءَ في يَوْمَيْنِ مَعَ أنَّ اليَوْمَيْنِ ما كانا مُسْتَغْرَقَيْنِ بِذَلِكَ العَمَلِ، أمّا لَمّا ذَكَرَ خَلْقَ الأرْضِ وخَلْقَ هَذِهِ الأشْياءِ، ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ: ﴿فِي أرْبَعَةِ أيّامٍ سَواءً لِلسّائِلِينَ﴾ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ هَذِهِ الأيّامَ الأرْبَعَةَ صارَتْ مُسْتَغْرَقَةً في تِلْكَ الأعْمالِ مِن غَيْرِ زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: كَيْفَ القِراءاتُ في قَوْلِهِ (سَواءً) ؟ والجَوابُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ قُرِئَ (سَواءً) بِالحَرَكاتِ الثَّلاثِ، الجَرِّ عَلى الوَصْفِ، والنَّصْبِ عَلى المَصْدَرِ: اسْتَوَتْ سَواءً، والرَّفْعِ عَلى: هي سَواءٌ.
السُّؤالُ الرّابِعُ: ما المُرادُ مِن كَوْنِ تِلْكَ الأيّامِ الأرْبَعَةِ سَواءً ؟ فَنَقُولُ: إنَّ الأيّامَ قَدْ تَكُونُ مُتَساوِيَةَ المَقادِيرِ كالأيّامِ المَوْجُودَةِ في أماكِنِ خَطِّ الِاسْتِواءِ، وقَدْ تَكُونُ مُخْتَلِفَةً كالأيّامِ المَوْجُودَةِ في سائِرِ الأماكِنِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ تِلْكَ الأيّامَ الأرْبَعَةَ كانَتْ مُتَساوِيَةً غَيْرَ مُخْتَلِفَةٍ.
السُّؤالُ الخامِسُ: بِمَ يَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ: (لِلسّائِلِينَ) ؟
الجَوابُ فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ الزَّجّاجَ قالَ: قَوْلُهُ: ﴿فِي أرْبَعَةِ أيّامٍ﴾ أيْ في تَتِمَّةِ أرْبَعَةِ أيّامٍ، إذا عَرَفْتَ هَذا فالتَّقْدِيرُ ﴿وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها﴾ في تَتِمَّةِ أرْبَعَةِ أيّامٍ لِأجْلِ السّائِلِينَ، أيِ الطّالِبِينَ لِلْأقْواتِ المُحْتاجِينَ إلَيْها.
والثّانِي: أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ والتَّقْدِيرُ كَأنَّهُ قِيلَ: هَذا الحَصْرُ والبَيانُ لِأجْلِ مَن سَألَ كَمْ خُلِقَتِ الأرْضُ وما فِيها ؟ ولَمّا شَرَحَ اللَّهُ تَعالى كَيْفِيَّةَ تَخْلِيقِ الأرْضِ وما فِيها أتْبَعَهُ بِكَيْفِيَّةِ تَخْلِيقِ السَّماواتِ فَقالَ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ وهي دُخانٌ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ:
البَحْثُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ مِن قَوْلِهِمُ اسْتَوى إلى مَكانِ كَذا إذا تَوَجَّهَ إلَيْهِ تَوَجُّهًا لا يَلْتَفِتُ مَعَهُ إلى عَمَلٍ آخَرَ، وهو مِنَ الِاسْتِواءِ الَّذِي هو ضِدُّ الِاعْوِجاجِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُمُ اسْتَقامَ إلَيْهِ وامْتَدَّ إلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ﴾[فصلت: ٦] والمَعْنى ثُمَّ دَعاهُ داعِي الحِكْمَةِ إلى خَلْقِ السَّماءِ بَعْدَ خَلْقِ الأرْضِ وما فِيها، مِن غَيْرِ صَرْفٍ يَصْرِفُهُ ذَلِكَ.
البَحْثُ الثّانِي: ذَكَرَ صاحِبُ ”الأثَرِ“ أنَّهُ كانَ عَرْشُ اللَّهِ عَلى الماءِ قَبْلَ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ فَأحْدَثَ اللَّهُ في ذَلِكَ الماءِ سُخُونَةً فارْتَفَعَ زَبَدٌ ودُخانٌ، أمّا الزَّبَدُ فَيَبْقى عَلى وجْهِ الماءِ فَخَلَقَ اللَّهُ مِنهُ اليُبُوسَةَ، وأحْدَثَ مِنهُ الأرْضَ، وأمّا الدُّخانُ فارْتَفَعَ وعَلا فَخَلَقَ اللَّهُ مِنهُ السَّماواتِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ غَيْرُ مَوْجُودَةٍ في القُرْآنِ، فَإنْ دَلَّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ صَحِيحٌ قُبِلَ وإلّا فَلا، وهَذِهِ القِصَّةُ مَذْكُورَةٌ في أوَّلِ الكِتابِ الَّذِي يَزْعُمُ اليَهُودُ أنَّهُ التَّوْراةُ، وفِيهِ أنَّهُ تَعالى خَلَقَ السَّماءَ مِن أجْزاءٍ مُظْلِمَةٍ،