< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah023
Al-Muminoon (23)
The Believers, makkah, 118 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
بِيَدِهِ، فالمُرادُ تَوَلّى خَلْقَها لا أنَّهُ وكَلَهُ إلى غَيْرِهِ، وأمّا أنَّ الصَّلاةَ تُثْنِي عَلى مَن قامَ بِحَقِّها فَهو في الجَوازِ أبْعَدُ مِن كَلامِ الجَنَّةِ؛ لِأنَّ الصَّلاةَ حَرَكاتٌ وسَكَناتٌ ولا يَصِحُّ عَلَيْها أنْ تَتَصَوَّرَ وتَتَكَلَّمَ، فالمُرادُ مِنهُ ضَرْبُ المَثَلِ كَما يَقُولُ القائِلُ لِلْمُنْعِمِ: إنَّ إحْسانَكَ إلَيَّ يَنْطِقُ بِالشُّكْرِ.
السُّؤالُ السّابِعُ: هَلْ تَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّ الفِرْدَوْسَ مَخْلُوقَةٌ؟ الجَوابُ: قالَ القاضِي: دَلَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُكُلُها دائِمٌ﴾[الرَّعْدِ: ٣٥] عَلى أنَّها غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ، فَوَجَبَ تَأْوِيلُ هَذِهِ الآيَةِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ يَخْلُقُ اللَّهُ الجَنَّةَ مِيراثًا لِلْمُؤْمِنِينَ، أوْ: وإذا خَلَقَها تَقُولُ، عَلى مِثالِ ما تَأوَّلْنا عَلَيْهِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ونادى أصْحابُ النّارِ أصْحابَ الجَنَّةِ﴾[الأعْرافِ: ٥٠] وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ إضْمارُ ما ذَكَرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ أوْلى مِن أنْ يُضْمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿أُكُلُها دائِمٌ﴾ ثُمَّ إنَّ أُكُلَها دائِمٌ يَوْمَ القِيامَةِ، وإذا تَعارَضَ هَذانِ الظّاهِرانِ فَنَحْنُ نَتَمَسَّكُ في أنَّ الجَنَّةَ مَخْلُوقَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٣٣].
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾﴿ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً في قَرارٍ مَكِينٍ﴾﴿ثُمَّ خَلَقْنا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنا العَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنا المُضْغَةَ عِظامًا فَكَسَوْنا العِظامَ لَحْمًا ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾﴿ثُمَّ إنَّكم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ تُبْعَثُونَ﴾
صفحة ٧٤
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أمَرَ بِالعِباداتِ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ، والِاشْتِغالُ بِعِبادَةِ اللَّهِ لا يَصِحُّ إلّا بَعْدَ مَعْرِفَةِ الإلَهِ الخالِقِ، لا جَرَمَ عَقَّبَها بِذِكْرِ ما يَدُلُّ عَلى وُجُودِهِ واتِّصافِهِ بِصِفاتِ الجَلالِ والوَحْدانِيَّةِ فَذَكَرَ مِنَ الدَّلائِلِ أنْواعًا:
النوع الأوَّلُ: الِاسْتِدْلالُ بِتَقَلُّبِ الإنْسانِ في أدْوارِ الخِلْقَةِ وأكْوانِ الفِطْرَةِ وهي تِسْعَةٌ:
المَرْتَبَةُ الأُولى: قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ والسُّلالَةُ: الخُلاصَةُ؛ لِأنَّها تُسَلُّ مِن بَيْنِ الكَدَرِ، فُعالَةٌ، وهو بِناءٌ يَدُلُّ عَلى القِلَّةِ كالقُلامَةِ والقُمامَةِ، واخْتَلَفَ أهْلُ التَّفْسِيرِ في ﴿الإنْسانَ﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ وقَتادَةُ ومُقاتِلٌ: المُرادُ مِنهُ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَآدَمُ سُلَّ مِنَ الطِّينِ، وخُلِقَتْ ذُرِّيَّتُهُ مِن ماءٍ مَهِينٍ، ثُمَّ جَعَلْنا الكِنايَةَ راجِعَةً إلى الإنْسانِ الَّذِي هو ولَدُ آدَمَ، والإنْسانُ شامِلٌ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ولِوَلَدِهِ، وقالَ آخَرُونَ: الإنْسانُ هاهُنا ولَدُ آدَمَ، والطِّينُ هاهُنا اسْمُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، والسُّلالَةُ هي الأجْزاءُ الطِّينِيَّةُ المَبْثُوثَةُ في أعْضائِهِ الَّتِي لَمّا اجْتَمَعَتْ وحَصَلَتْ في أوْعِيَةِ المَنِيِّ صارَتْ مَنِيًّا، وهَذا التَّفْسِيرُ مُطابِقٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وبَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ مِن طِينٍ﴾﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ [ السَّجْدَةِ: ٧، ٨ ] وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنَّ الإنْسانَ إنَّما يَتَوَلَّدُ مِنَ النُّطْفَةِ وهي إنَّما تَتَوَلَّدُ مِن فَضْلِ الهَضْمِ الرّابِعِ، وذَلِكَ إنَّما يَتَوَلَّدُ مِنَ الأغْذِيَةِ، وهي إمّا حَيَوانِيَّةٌ وإمّا نَباتِيَّةٌ، والحَيَوانِيَّةُ تَنْتَهِي إلى النَّباتِيَّةِ، والنَّباتُ إنَّما يَتَوَلَّدُ مِن صَفْوِ الأرْضِ والماءِ، فالإنْسانُ بِالحَقِيقَةِ يَكُونُ مُتَوَلِّدًا مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ، ثُمَّ إنَّ تِلْكَ السُّلالَةَ بَعْدَ أنْ تَوارَدَتْ عَلى أطْوارِ الخِلْقَةِ وأدْوارِ الفِطْرَةِ صارَتْ مَنِيًّا، وهَذا التَّأْوِيلُ مُطابِقٌ لِلَّفْظِ ولا يُحْتاجُ فِيهِ إلى التَّكَلُّفاتِ.
المَرْتَبَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ ومَعْنى جَعْلِ الإنْسانِ نُطْفَةً أنَّهُ خَلَقَ جَوْهَرَ الإنْسانِ أوَّلًا طِينًا، ثُمَّ جَعَلَ جَوْهَرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ نُطْفَةً في أصْلابِ الآباءِ فَقَذَفَهُ الصُّلْبُ بِالجِماعِ إلى رَحِمِ المَرْأةِ فَصارَ الرَّحِمُ قَرارًا مَكِينًا لِهَذِهِ النُّطْفَةِ، والمُرادُ بِالقَرارِ مَوْضِعُ القَرارِ وهو المُسْتَقَرُّ، فَسَمّاهُ بِالمَصْدَرِ ثُمَّ وصَفَ الرَّحِمَ بِالمَكانَةِ الَّتِي هي صِفَةُ المُسْتَقِرِّ فِيها؛ كَقَوْلِكَ: طَرِيقٌ سائِرٌ، أوْ لِمَكانَتِها في نَفْسِها؛ لِأنَّها تَمَكَّنَتْ مِن حَيْثُ هي وأُحْرِزَتْ.
المَرْتَبَةُ