< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah023
Al-Muminoon (23)
The Believers, makkah, 118 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
يَسْتَحِقُّهُ إنْ أطاعَ، وجَعَلَ لِذَلِكَ عَلامَةً. فَإذا آمَنَ مِنهُمُ البَعْضُ ولَمْ يُؤْمِنِ البَعْضُ صارَ مَنزِلُ مَن لَمْ يُؤْمِن كالمَنقُولِ إلى المُؤْمِنِينَ، وصارَ مَصِيرُهم إلى النّارِ الَّذِي لا بُدَّ مَعَهُ مِن حِرْمانِ الثَّوابِ كَمَوْتِهِمْ»، فَسُمِّيَ ذَلِكَ مِيراثًا لِهَذا الوَجْهِ، وقَدْ قالَ الفُقَهاءُ: إنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ ما مَلَكَهُ المَيِّتُ وبَيْنَ ما يُقَدِّرُ فِيهِ المَلِكُ في أنَّهُ يُورَثُ عَنْهُ، كَذَلِكَ قالُوا في الدِّيَةِ الَّتِي تَجِبُ بِالقَتْلِ: إنَّها تُورَثُ، مَعَ أنَّهُ ما مَلَكَها عَلى التَّحْقِيقِ، وذَلِكَ يَشْهَدُ لِما ذَكَرْنا، فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى وصَفَ كُلَّ الَّذِي يَسْتَحِقُّونَهُ إرْثًا، وعَلى ما قُلْتُمْ يَدْخُلُ في الإرْثِ ما كانَ يَسْتَحِقُّهُ غَيْرُهم لَوْ أطاعَ. قُلْنا: لا يَمْتَنِعُ أنَّهُ تَعالى جَعَلَ ما هو مَنزِلَةٌ لِهَذا المُؤْمِنِ بِعَيْنِهِ مَنزِلَةً لِذَلِكَ الكافِرِ لَوْ أطاعَ؛ لِأنَّهُ عِنْدَ ذَلِكَ كانَ يَزِيدُ في المَنازِلِ فَإذا آمَنَ هَذا عَدَلَ بِذَلِكَ إلَيْهِ.
وثانِيها: أنَّ انْتِقالَ الجَنَّةِ إلَيْهِمْ بِدُونِ مُحاسَبَةٍ ومَعْرِفَةٍ بِمَقادِيرِهِ يُشْبِهُ انْتِقالَ المالِ إلى الوارِثِ.
وثالِثُها: أنَّ الجَنَّةَ كانَتْ مَسْكَنَ أبِينا آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإذا انْتَقَلَتْ إلى أوْلادِهِ صارَ ذَلِكَ شَبِيهًا بِالمِيراثِ.
السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ حَكَمَ عَلى المَوْصُوفِينَ بِالصِّفاتِ السَّبْعِ بِالفَلاحِ مَعَ أنَّهُ تَعالى ما تَمَّمَ ذِكْرَ العِباداتِ الواجِبَةِ كالصَّوْمِ والحَجِّ والطَّهارَةِ؟ والجَوابُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ يَأْتِي عَلى جَمِيعِ الواجِباتِ مِنَ الأفْعالِ والتُّرُوكِ كَما قَدَّمْنا، والطَّهاراتُ دَخَلَتْ في جُمْلَةِ المُحافَظَةِ عَلى الصَّلَواتِ الخَمْسِ؛ لِكَوْنِها مِن شَرائِطِها.
السُّؤالُ الثّالِثُ: أفَيَدُلُّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ﴾ عَلى أنَّهُ لا يَدْخُلُها غَيْرُهُمْ؟ الجَوابُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿هُمُ الوارِثُونَ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ لَكِنَّهُ يَجِبُ تَرْكُ العَمَلِ بِهِ؛ لِأنَّهُ ثَبَتَ أنَّ الجَنَّةَ يَدْخُلُها الأطْفالُ والمَجانِينُ والوِلْدانُ والحُورُ العِينُ، ويَدْخُلُها الفُسّاقُ مِن أهْلِ القِبْلَةِ بَعْدَ العَفْوِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾[النِّساءِ: ٤٨].
السُّؤالُ الرّابِعُ: أفَكُلُّ الجَنَّةِ هو الفِرْدَوْسُ؟ الجَوابُ: الفِرْدَوْسُ هو الجَنَّةُ بِلِسانِ الحَبَشَةِ، وقِيلَ بِلِسانِ الرُّومِ، ورَوى أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«الفِرْدَوْسُ مَقْصُورَةُ الرَّحْمَنِ؛ فِيها الأنْهارُ والأشْجارُ» “
صفحة ٧٣
ورَوى أبُو أُمامَةَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: ”«سَلُوا اللَّهَ الفِرْدَوْسَ فَإنَّها أعْلى الجِنانِ، وإنَّ أهْلَ الفِرْدَوْسِ يَسْمَعُونَ أطِيطَ العَرْشِ» “.السُّؤالُ الخامِسُ: هَلْ تَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّ هَذِهِ الصِّفاتِ هي الَّتِي لَها ولِأجْلِها يَكُونُونَ مُؤْمِنِينَ أمْ لا؟ الجَوابُ: ادَّعى القاضِي أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ بِناءً عَلى مَذْهَبِهِ أنَّ الإيمانَ اسْمٌ شَرْعِيٌّ مَوْضُوعٌ لِأداءِ كُلِّ الواجِباتِ، وعِنْدَنا أنَّ الآيَةَ لا تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ مِثْلُ قَدْ أفْلَحَ النّاسُ الأذْكِياءُ العُدُولُ، فَإنَّ هَذا لا يَدُلُّ عَلى أنَّ الزَّكاةَ والعَدالَةَ داخِلانِ في مُسَمّى النّاسِ فَكَذا هاهُنا.
السُّؤالُ السّادِسُ: رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ”«لَمّا خَلَقَ اللَّهُ تَعالى جَنَّةَ عَدْنٍ قالَ لَها: تَكَلَّمِي. فَقالَتْ: قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ» “ وقالَ كَعْبٌ: ”خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ بِيَدِهِ وكَتَبَ التَّوْراةَ بِيَدِهِ وغَرَسَ شَجَرَةَ طُوبى بِيَدِهِ، ثم قال لَها: تَكَلَّمِي. فَقالَتْ: قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ“، ورُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ”«إذا أحْسَنَ العَبْدُ الوُضُوءَ وصَلّى الصَّلاةَ لِوَقْتِها وحافَظَ عَلى رُكُوعِها وسُجُودِها ومَواقِيتِها قالَتْ: حَفِظَكَ اللَّهُ كَما حافَظْتَ عَلَيَّ، وشَفَعَتْ لِصاحِبِها، وإذا أضاعَها قالَتْ: أضاعَكَ اللَّهُ كَما ضَيَّعْتَنِي، وتُلَفُّ كَما يُلَفُّ الثَّوْبُ الخَلِقُ فَيُضْرَبُ بِها وجْهُ صاحِبِها» “ الجَوابُ: أمّا كَلامُ الجَنَّةِ فالمُرادُ بِهِ أنَّها أُعِدَّتْ لِلْمُؤْمِنِينَ، فَصارَ ذَلِكَ كالقَوْلِ مِنها، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾[فُصِّلَتْ: ١١]وأمّا أنَّهُ تَعالى خَلَقَ الجَنَّةَ