< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى:﴿ثُمَّ خَلَقْنا النُّطْفَةَ عَلَقَةً﴾ أيْ: حَوَّلْنا النُّطْفَةَ عَنْ صِفاتِها إلى صِفاتِ العَلَقَةِ وهي الدَّمُ الجامِدُ.

المَرْتَبَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَخَلَقْنا العَلَقَةَ مُضْغَةً﴾ أيْ: جَعَلْنا ذَلِكَ الدَّمَ الجامِدَ مُضْغَةً؛ أيْ: قِطْعَةَ لَحْمٍ كَأنَّها مِقْدارُ ما يُمْضَغُ كالغُرْفَةِ وهي مِقْدارُ ما يُغْتَرَفُ، وسُمِّيَ التَّحْوِيلُ خَلْقًا؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ يُفْنِي بَعْضَ أعْراضِها ويَخْلُقُ أعْراضًا غَيْرَها، فَسَمّى خَلْقَ الأعْراضِ خَلْقًا وكَأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى يَخْلُقُ فِيها أجْزاءً زائِدَةً.

المَرْتَبَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَخَلَقْنا المُضْغَةَ عِظامًا﴾ أيْ: صَيَّرْناها كَذَلِكَ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ (عَظْمًا) والمُرادُ مِنهُ الجَمْعُ كَقَوْلِهِ: ﴿والمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾[الفَجْرِ: ٢٢].

المَرْتَبَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَسَوْنا العِظامَ لَحْمًا﴾ وذَلِكَ لِأنَّ اللَّحْمَ يَسْتُرُ العَظْمَ فَجَعَلَهُ كالكِسْوَةِ لَها.

المَرْتَبَةُ السّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ أيْ: خَلْقًا مُبايِنًا لِلْخَلْقِ الأوَّلِ مُبايَنَةً ما أبْعَدَها، حَيْثُ جَعَلَهُ حَيَوانًا وكانَ جَمادًا، وناطِقًا وكانَ أبْكَمَ، وسَمِيعًا وكانَ أصَمَّ، وبَصِيرًا وكانَ أكْمَهَ، وأوْدَعَ باطِنَهُ وظاهِرَهُ

صفحة ٧٥

بَلْ كُلَّ عُضْوٍ مِن أعْضائِهِ وكُلَّ جُزْءٍ مِن أجْزائِهِ عَجائِبَ فِطْرَةٍ وغَرائِبَ حِكْمَةٍ لا يُحِيطُ بِها وصْفُ الواصِفِينَ، ولا شَرْحُ الشّارِحِينَ، ورَوى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: هو تَصْرِيفُ اللَّهِ إيّاهُ بَعْدَ الوِلادَةِ في أطْوارِهِ في زَمَنِ الطُّفُولِيَّةِ وما بَعْدَها إلى اسْتِواءِ الشَّبابِ، وخَلْقِ الفَهْمِ والعَقْلِ وما بَعْدَهُ إلى أنْ يَمُوتَ، ودَلِيلُ هَذا القَوْلِ أنَّهُ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إنَّكم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ وهَذا المَعْنى مَرْوِيٌّ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ عُمَرَ، وإنَّما قالَ: ﴿أنْشَأْناهُ﴾ لِأنَّهُ جَعَلَ إنْشاءَ الرُّوحِ فِيهِ، وإتْمامَ خَلْقِهِ إنْشاءً لَهُ. قالُوا: في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ النَّظّامِ في أنَّ الإنْسانَ هو الرُّوحُ لا البَدَنُ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ بَيَّنَ أنَّ الإنْسانَ هو المُرَكَّبُ مِن هَذِهِ الصِّفاتِ، وفِيها دَلالَةٌ أيْضًا عَلى بُطْلانِ قَوْلِ الفَلاسِفَةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّ الإنْسانَ شَيْءٌ لا يَنْقَسِمُ، وإنَّهُ لَيْسَ بِجِسْمٍ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ﴾ أيْ: فَتَعالى اللَّهُ؛ فَإنَّ البَرَكَةَ يَرْجِعُ مَعْناها إلى الِامْتِدادِ والزِّيادَةِ، وكُلُّ ما زادَ عَلى الشَّيْءِ فَقَدْ عَلاهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: والبَرَكاتُ والخَيْراتُ كُلُّها مِنَ اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: أصْلُهُ مِنَ البُرُوكِ وهو الثَّباتُ، فَكَأنَّهُ قالَ: والبَقاءُ والدَّوامُ والبَرَكاتُ كُلُّها مِنهُ فَهو المُسْتَحِقُّ لِلتَّعْظِيمِ والثَّناءِ، وقَوْلُهُ: ﴿أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ أيْ: أحْسَنُ المُقَدِّرِينَ تَقْدِيرًا، فَتَرَكَ ذِكْرَ المُمَيَّزِ لِدَلالَةِ ﴿الخالِقِينَ﴾ عَلَيْهِ. وهاهُنا مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: لَوْلا أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يَكُونُ خالِقًا لِفِعْلِهِ إذا قَدَّرَهُ لَما جازَ القَوْلُ بِأنَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ، كَما لَوْ لَمْ يَكُنْ في عِبادِهِ مَن يَحْكُمُ ويَرْحَمُ لَمْ يَجُزْ أنْ يُقالَ فِيهِ: أحْكَمُ الحاكِمِينَ وأرْحَمُ الرّاحِمِينَ، والخَلْقُ في اللُّغَةِ هو كُلُّ فِعْلٍ وُجِدَ مِن فاعِلِهِ مُقَدَّرًا لا عَلى سَهْوٍ وغَفْلَةٍ، والعِبادُ قَدْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ عَلى هَذا الوَجْهِ، قالَ الكَعْبِيُّ: هَذِهِ الآيَةُ وإنْ دَلَّتْ عَلى أنَّ العَبْدَ خالِقٌ إلّا أنَّ اسْمَ الخالِقِ لا يُطْلَقُ عَلى العَبْدِ إلّا مَعَ القَيْدِ، كَما أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: رَبُّ الدّارِ، ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: رَبٌّ، بِلا إضافَةٍ، ولا يَقُولُ العَبْدُ لِسَيِّدِهِ: هو رَبِّي، ولا يُقالُ: إنَّما قالَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ وصَفَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنَّهُ يَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ؛ لِأنّا نُجِيبُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّهُ سُبْحانَهُ ﴿أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ الَّذِينَ هم جَمْعٌ فَحَمْلُهُ عَلى عِيسى خاصَّةً لا يَصِحُّ.

الثّانِي: أنَّهُ إذا صَحَّ وصْفُ عِيسى بِأنَّهُ يَخْلُقُ صَحَّ وصْفُ غَيْرِهِ مِنَ المُصَوِّرِينَ أيْضًا بِأنَّهُ يَخْلُقُ، وأجابَ أصْحابُنا بِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُعارَضَةٌ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾