< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


ظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى:﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّ مَذْهَبَ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّ الِاسْتِثْناءَ مِنَ النَّفْيِ لا يَكُونُ إثْباتًا، واحْتَجَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«لا صَلاةَ إلّا بِطُهُورٍ، ولا نِكاحَ إلّا بِوَلِيٍّ» “ فَإنَّ ذَلِكَ لا يَقْتَضِي حُصُولَ الصَّلاةِ بِمُجَرَّدِ حُصُولِ الطُّهُورِ، وحُصُولَ النِّكاحِ بِمُجَرَّدِ حُصُولِ الوَلِيِّ. وفائِدَةُ الِاسْتِثْناءِ صَرْفُ الحُكْمِ لا صَرْفُ المَحْكُومِ بِهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ﴾ مَعْناهُ أنَّهُ يَجِبُ حِفْظُ الفُرُوجِ عَنِ الكُلِّ إلّا في هاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ فَإنِّي ما ذَكَرْتُ حُكْمَهُما لا بِالنَّفْيِ ولا بِالإثْباتِ.

الثّانِي: أنّا إنْ سَلَّمْنا أنَّ الِاسْتِثْناءَ مِنَ النَّفْيِ إثْباتٌ، فَغايَتُهُ أنَّهُ عامٌّ دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ بِالدَّلِيلِ فَيَبْقى فِيما وراءَهُ حُجَّةً.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ يَعْنِي الكامِلُونَ في العُدْوانِ المُتَناهُونَ فِيهِ.

* * *

الصِّفَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ (لِأمانَتِهِمْ) واعْلَمْ أنَّهُ يُسَمّى الشَّيْءُ المُؤْتَمَنُ عَلَيْهِ والمُعاهَدُ عَلَيْهِ أمانَةً وعَهْدًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهْلِها﴾[النِّساءِ: ٥٨] وقالَ: ﴿وتَخُونُوا أماناتِكُمْ﴾[الأنْفالِ: ٢٧] وإنَّما تُؤَدّى العُيُونُ دُونَ المَعانِي، فَكانَ المُؤْتَمَنُ عَلَيْهِ الأمانَةُ في نَفْسِها. والعَهْدُ ما عَقَدَهُ عَلى نَفْسِهِ فِيما يُقَرِّبُهُ إلى رَبِّهِ، ويَقَعُ أيْضًا عَلى ما أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ عَهِدَ إلَيْنا﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٨٣] والرّاعِي: القائِمُ عَلى الشَّيْءِ لِحِفْظٍ وإصْلاحٍ كَراعِي الغَنَمِ وراعِي الرَّعِيَّةِ، ويُقالُ: مَن راعِي هَذا الشَّيْءِ؟ أيْ: مُتَوَلِّيهِ. واعْلَمْ أنَّ الأمانَةَ تَتَناوَلُ كُلَّ ما تَرْكُهُ يَكُونُ داخِلًا في الخِيانَةِ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ والرَّسُولَ وتَخُونُوا أماناتِكُمْ﴾[الأنْفالِ: ٢٧] فَمِن ذَلِكَ العِباداتُ الَّتِي المَرْءُ مُؤْتَمَنٌ عَلَيْها، وكُلُّ العِباداتِ تَدْخُلُ في ذَلِكَ؛ لِأنَّها إمّا أنْ تَخْفى أصْلًا كالصَّوْمِ وغُسْلِ الجَنابَةِ وإسْباغِ الوُضُوءِ، أوْ تَخْفى كَيْفِيَّةُ إتْيانِهِ بِها، وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«أعْظَمُ النّاسِ خِيانَةً مَن لَمْ يُتِمَّ صَلاتَهُ» “ وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ”أوَّلُ ما تَفْقِدُونَ مِن دِينِكُمُ الأمانَةُ، وآخِرُ ما تَفْقِدُونَ الصَّلاةُ“ ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ ما يَلْتَزِمُهُ بِفِعْلٍ أوْ قَوْلٍ، فَيَلْزَمُهُ الوَفاءُ بِهِ كالوَدائِعِ والعُقُودِ وما يَتَّصِلُ بِهِما. ومِن ذَلِكَ

صفحة ٧٢

الأقْوالُ الَّتِي يُحَرَّرُ بِها العَبِيدُ والنِّساءُ؛ لِأنَّهُ مُؤْتَمَنٌ في ذَلِكَ، ومِن ذَلِكَ أنْ يُراعِيَ أمانَتَهُ فَلا يُفْسِدَها بِغَصْبٍ أوْ غَيْرِهِ، وأمّا العَهْدُ فَإنَّهُ دَخَلَ فِيهِ العُقُودُ والأيْمانُ والنُّذُورُ، فَبَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ مُراعاةَ هَذِهِ الأُمُورِ والقِيامَ بِها مُعْتَبَرٌ في حُصُولِ الفَلاحِ.

* * *

الصِّفَةُ السّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ وإنَّما أعادَ تَعالى ذِكْرَها؛ لِأنَّ الخُشُوعَ والمُحافَظَةَ مُتَغايِرانِ غَيْرُ مُتَلازِمَيْنِ، فَإنَّ الخُشُوعَ صِفَةٌ لِلْمُصَلِّي في حالِ الأداءِ لِصَلاتِهِ، والمُحافَظَةُ إنَّما تَصِحُّ حالَ ما لَمْ يُؤَدِّها بِكَمالِها. بَلِ المُرادُ بِالمُحافَظَةِ التَّعَهُّدُ لِشُرُوطِها مِن وقْتٍ وطَهارَةٍ وغَيْرِهِما، والقِيامُ عَلى أرْكانِها وإتْمامِها حَتّى يَكُونَ ذَلِكَ دَأْبَهُ في كُلِّ وقْتٍ، ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى مَجْمُوعَ هَذِهِ الأُمُورِ قالَ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ﴾﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هم فِيها خالِدُونَ﴾ وهاهُنا سُؤالاتٌ:

السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ سَمّى ما يَجِدُونَهُ مِنَ الثَّوابِ والجَنَّةِ بِالمِيراثِ؟ مَعَ أنَّهُ سُبْحانَهُ حَكَمَ بِأنَّ الجَنَّةَ حَقُّهم في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهم بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ﴾[التَّوْبَةِ: ١١١]. الجَوابُ مِن وُجُوهٍ.

الأوَّلُ: ما «رُوِيَ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ وهو أبْيَنُ عَلى ما يُقالُ فِيهِ، وهُوَ: أنَّهُ لا مُكَلَّفٌ إلّا أعَدَّ اللَّهُ لَهُ في النّارِ ما يَسْتَحِقُّهُ إنْ عَصى، وفي الجَنَّةِ ما