< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


[الفُرْقانِ: ٧٢] واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا وصَفَهم بِالخُشُوعِ في الصَّلاةِ أتْبَعَهُ الوَصْفَ بِالإعْراضِ عَنِ اللَّغْوِ، لِيَجْمَعَ لَهُمُ الفِعْلَ والتَّرْكَ الشّاقَّيْنِ عَلى الأنْفُسِ اللَّذَيْنِ هُما قاعِدَتا بِناءِ التَّكْلِيفِ، وهو أعْلَمُ.

* * *

الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ﴾ وفي الزَّكاةِ قَوْلانِ، أحَدُهُما: قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ أنَّ فِعْلَ الزَّكاةِ يَقَعُ عَلى كُلِّ فِعْلٍ مَحْمُودٍ مَرَضِيٍّ، كَقَوْلِهِ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾[الأعْلى: ١٤] وقَوْلِهِ: ﴿فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكُمْ﴾[النَّجْمِ: ٣٢] ومِن جُمْلَتِهِ ما يَخْرُجُ مِن حَقِّ المالِ، وإنَّما سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّها تُطَهِّرُ مِنَ الذُّنُوبِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها﴾[التَّوْبَةِ: ١٠٣].

والثّانِي: وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ أنَّهُ الحَقُّ الواجِبُ في الأمْوالِ خاصَّةً، وهَذا هو الأقْرَبُ؛ لِأنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ قَدِ اخْتَصَّتْ في الشَّرْعِ بِهَذا المَعْنى، فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ لا يُقالُ في الكَلامِ الفَصِيحِ: إنَّهُ فَعَلَ الزَّكاةَ، قُلْنا: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الزَّكاةُ اسْمٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ عَيْنٍ ومَعْنًى، فالعَيْنُ القَدْرُ الَّذِي يُخْرِجُهُ المُزَكِّي مِنَ النِّصابِ إلى الفَقِيرِ، والمَعْنى فِعْلُ المُزَكِّي الَّذِي هو التَّزْكِيَةُ، وهو الَّذِي أرادَهُ اللَّهُ تَعالى فَجَعَلَ المُزَكِّينَ فاعِلِينَ لَهُ ولا يَسُوغُ فِيهِ غَيْرُهُ؛ لِأنَّهُ ما مِن مَصْدَرٍ إلّا يُعَبَّرُ عَنْ مَعْناهُ بِالفِعْلِ. ويُقالُ لِمُحَدِثِهِ: فاعِلٌ، يُقالُ لِلضّارِبِ: فاعِلُ الضَّرْبِ، ولِلْقاتِلِ: فاعِلُ القَتْلِ، ولِلْمُزَكِّي: فاعِلُ الزَّكاةِ، وعَلى هَذا الكَلامِ كُلِّهِ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالزَّكاةِ العَيْنُ، ويُقَدَّرَ مُضافٌ مَحْذُوفٌ وهو الأداءُ، فَإنْ قِيلَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى هُناكَ لَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ، فَلِمَ فَصَلَ هاهُنا بَيْنَهُما بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ هم عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ ؟ قُلْنا: لِأنَّ الإعْراضَ عَنِ اللَّغْوِ مِن مُتَمِّماتِ الصَّلاةِ.

* * *

الصِّفَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ وفِيهِ سُؤالاتٌ:

السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ لَمْ يَقُلْ: إلّا عَنْ أزْواجِهِمْ؟ الجَوابُ: قالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ: إلّا مِن أزْواجِهِمْ، وذَكَرَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ فِيهِ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ.

أحَدُها: أنَّهُ في مَوْضِعِ الحالِ؛ أيْ: إلّا والِينَ عَلى أزْواجِهِمْ أوْ قَوّامِينَ عَلَيْهِنَّ، مِن قَوْلِكَ: كانَ فُلانٌ عَلى فُلانَةٍ، ونَظِيرُهُ كانَ زِيادٌ عَلى البَصْرَةِ؛ أيْ والِيًا عَلَيْها، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: فُلانَةٌ تَحْتَ فُلانٍ، ومِن ثَمَّ

صفحة ٧١

سُمِّيَتِ المَرْأةُ فِراشًا. والمَعْنى أنَّهم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ في كافَّةِ الأحْوالِ إلّا في حالِ تَزْوِيجِهِمْ أوْ تَسَرِّيهِمْ.

وثانِيها: أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: يُلامُونَ إلّا عَلى أزْواجِهِمْ؛ أيْ: يُلامُونَ عَلى كُلِّ مُباشَرَةٍ إلّا عَلى ما أُطْلِقَ لَهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ عَلَيْهِ، وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ.

وثالِثُها: أنْ تَجْعَلَهُ صِلَةً لِـ ﴿حافِظُونَ﴾.

السُّؤالُ الثّانِي: هَلّا قِيلَ: مَن مَلَكَتْ؟ الجَوابُ: لِأنَّهُ اجْتَمَعَ في السُّرِّيَّةِ وصْفانِ، أحَدُهُما: الأُنُوثَةُ وهي مَظِنَّةُ نُقْصانِ العَقْلِ، والآخَرُ كَوْنُها بِحَيْثُ تُباعُ وتُشْتَرى كَسائِرِ السِّلَعِ، فَلِاجْتِماعِ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ فِيها جُعِلَتْ كَأنَّها لَيْسَتْ مِنَ العُقَلاءِ.

السُّؤالُ الثّالِثُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى تَحْرِيمِ المُتْعَةِ عَلى ما يُرْوى عَنِ القاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ؟ الجَوابُ: نَعَمْ، وتَقْرِيرُهُ أنَّها لَيْسَتْ زَوْجَةً لَهُ فَوَجَبَ أنْ لا تَحِلَّ لَهُ، وإنَّما قُلْنا: إنَّها لَيْسَتْ زَوْجَةً لَهُ؛ لِأنَّهُما لا يَتَوارَثانِ بِالإجْماعِ، ولَوْ كانَتْ زَوْجَةً لَهُ لَحَصَلَ التَّوارُثُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَكم نِصْفُ ما تَرَكَ أزْواجُكُمْ﴾[النِّساءِ: ١٢] وإذا ثَبَتَ أنَّها لَيْسَتْ بِزَوْجَةٍ لَهُ وجَبَ أنْ لا تَحِلَّ لَهُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ وهو أعْلَمُ.

السُّؤالُ الرّابِعُ: ألَيْسَ لا يَحِلُّ لَهُ في الزَّوْجَةِ ومِلْكِ اليَمِينِ الِاسْتِمْتاعُ في أحْوالٍ كَحالِ الحَيْضِ وحالِ العِدَّةِ، وفي الأمَةِ حالَ تَزْوِيجِها مِنَ الغَيْرِ وحالَ عِدَّتِها، وكَذا الغُلامُ داخِلٌ في