< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


عَنْ حُكْمِ الإجْزاءِ لا عَنْ حُكْمِ الثَّوابِ، وغَرَضُنا في هَذا المَقامِ هَذا، ومِثالُهُ في الشّاهِدِ مَنِ اسْتَعارَ مِنكَ ثَوْبًا ثُمَّ رَدَّهُ عَلى الوجه الأحْسَنِ، فَقَدْ خَرَجَ عَنِ العُهْدَةِ واسْتَحَقَّ المَدْحَ، ومَن رَماهُ إلَيْكَ عَلى وجْهِ الِاسْتِخْفافِ خَرَجَ عَنِ العُهْدَةِ، ولَكِنَّهُ اسْتَحَقَّ الذَّمَّ، كَذا مَن عَظَّمَ اللَّهَ تَعالى حالَ أدائِهِ العِبادَةَ صارَ مُقِيمًا لِلْفَرْضِ مُسْتَحِقًّا لِلثَّوابِ، ومَنِ اسْتَهانَ بِها صارَ مُقِيمًا لِلْفَرْضِ ظاهِرًا لَكِنَّهُ اسْتَحَقَّ الذَّمَّ.

وثانِيها: أنّا نَمْنَعُ هَذا الإجْماعَ، أمّا المُتَكَلِّمُونَ فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الحُضُورِ والخُشُوعِ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِأنَّ السُّجُودَ لِلَّهِ تَعالى طاعَةٌ ولِلصَّنَمِ كُفْرٌ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما يُماثِلُ الآخَرَ في ذاتِهِ ولَوازِمِهِ، فَلا بُدَّ مِن أمْرٍ لِأجْلِهِ صارَ السُّجُودُ في إحْدى الصُّورَتَيْنِ طاعَةً، وفي الأُخْرى مَعْصِيَةً، قالُوا: وما ذاكَ إلّا القَصْدُ والإرادَةُ، والمُرادُ مِنَ القَصْدِ إيقاعُ تِلْكَ الأفْعالِ لِداعِيَةِ الِامْتِثالِ، وهَذِهِ الدّاعِيَةُ لا يُمْكِنُ حُصُولُها إلّا عِنْدَ الحُضُورِ، فَلِهَذا اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الحُضُورِ، أمّا الفُقَهاءُ فَقَدْ ذَكَرَ الفَقِيهُ أبُو اللَّيْثِ رَحِمَهُ اللَّهُ في تَنْبِيهِ الغافِلِينَ أنَّ تَمامَ القِراءَةِ أنْ يَقْرَأ بِغَيْرِ لَحْنٍ، وأنْ يَقْرَأ بِالتَّفَكُّرِ.

وأمّا الغَزالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فَإنَّهُ نَقَلَ عَنْ أبِي طالِبٍ المَكِّيِّ عَنْ بِشْرٍ الحافِي أنَّهُ قالَ: مَن لَمْ يَخْشَعْ فَسَدَتْ صَلاتُهُ. وعَنِ الحَسَنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: كُلُّ صَلاةٍ لا يَحْضُرُ فِيها القَلْبُ فَهي إلى العُقُوبَةِ أسْرَعُ. وعَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ: ”مَن عَرَفَ مَن عَلى يَمِينِهِ وشِمالِهِ مُتَعَمِّدًا وهو في الصَّلاةِ فَلا صَلاةَ لَهُ“. ورُوِيَ أيْضًا مُسْنَدًا قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«إنَّ العَبْدَ لَيُصَلِّي الصَّلاةَ لا يُكْتَبُ لَهُ سُدُسُها ولا عُشْرُها، وإنَّما يُكْتَبُ لِلْعَبْدِ مِن صَلاتِهِ ما عَقَلَ مِنها» “. وقالَ عَبْدُ الواحِدِ بْنُ زَيْدٍ: أجْمَعَتِ العُلَماءُ عَلى أنَّهُ لَيْسَ لِلْعَبْدِ مِن صَلاتِهِ إلّا ما عَقَلَ، وادَّعى فِيهِ الإجْماعَ. إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: هَبْ أنَّ الفُقَهاءَ بِأسْرِهِمْ حَكَمُوا بِالجَوازِ، ألَيْسَ الأُصُولِيُّونَ وأهْلُ الوَرَعِ ضَيَّقُوا الأمْرَ فِيها، فَهَلّا أخَذْتَ بِالِاحْتِياطِ، فَإنَّ بَعْضَ العُلَماءِ اخْتارَ

صفحة ٧٠

الإمامَةَ، فَقِيلَ لَهُ في ذَلِكَ فَقالَ: أخافُ إنْ تَرَكْتُ الفاتِحَةَ أنْ يُعاتِبَنِي الشّافِعِيُّ، وإنْ قَرَأْتُها مَعَ الإمامِ أنْ يُعاتِبَنِي أبُو حَنِيفَةَ، فاخْتَرْتُ الإمامَةَ طَلَبًا لِلْخَلاصِ عَنْ هَذا الِاخْتِلافِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

* * *

الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ وفي اللَّغْوِ أقْوالٌ.

أحَدُها: أنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ ما كانَ حَرامًا أوْ مَكْرُوهًا أوْ كانَ مُباحًا، ولَكِنْ لا يَكُونُ بِالمَرْءِ إلَيْهِ ضَرُورَةٌ وحاجَةٌ.

وثانِيها: أنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ كُلِّ ما كانَ حَرامًا فَقَطْ، وهَذا التَّفْسِيرُ أخَصُّ مِنَ الأوَّلِ.

وثالِثُها: أنَّهُ عِبارَةٌ عَنِ المَعْصِيَةِ في القَوْلِ والكَلامِ خاصَّةً، وهَذا أخَصُّ مِنَ الثّانِي.

ورابِعُها: أنَّهُ المُباحُ الَّذِي لا حاجَةَ إلَيْهِ، واحْتَجَّ هَذا القائِلُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكُمْ﴾[البَقَرَةِ: ٢٢٥] فَكَيْفَ يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلى المَعاصِي الَّتِي لا بُدَّ فِيها مِنَ المُؤاخَذَةِ، واحْتَجَّ الأوَّلُونَ بِأنَّ اللَّغْوَ إنَّما سُمِّيَ لَغْوًا بِما أنَّهُ يُلْغى، وكُلُّ ما يَقْتَضِي الدِّينُ إلْغاءَهُ كانَ أوْلى بِاسْمِ اللَّغْوِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ كُلُّ حَرامٍ لَغْوًا، ثُمَّ اللَّغْوُ قَدْ يَكُونُ كُفْرًا لِقَوْلِهِ: ﴿لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ﴾[فُصِّلَتْ: ٢٦] وقَدْ يَكُونُ كَذِبًا لِقَوْلِهِ: ﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾[الغاشِيَةِ: ١١] وقَوْلِهِ: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾[الواقِعَةِ: ٢٥] ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مَدَحَهم بِأنَّهم يُعْرِضُونَ عَنْ هَذا اللَّغْوِ، والإعْراضُ عَنْهُ هو بِأنْ لا يَفْعَلَهُ ولا يَرْضى بِهِ ولا يُخالِطَ مَن يَأْتِيهِ، وعَلى هَذا الوجه قالَ تَعالى: ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾