< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah018
Al-Kahf (18)
The Cave, makkah, 110 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
شَيْءٍ أصْلًا بَلْ يَكُونُ مُوجِبًا بِالذّاتِ، وأيْضًا فَيَلْزَمُ أنْ لا يَكُونَ لِلْعَبْدِ قُدْرَةٌ لا عَلى الفِعْلِ ولا عَلى التَّرْكِ؛ لِأنَّ ما عَلِمَ اللَّهُ وُقُوعَهُ امْتَنَعَ مِنَ العَبْدِ تَرْكُهُ وما عَلِمَ اللَّهُ عَدَمَهُ امْتَنَعَ مِنهُ فِعْلُهُ، فالقَوْلُ بِكَوْنِهِ تَعالى عالِمًا بِالأشْياءِ قَبْلَ وُقُوعِها يَقْدَحُ في الرُّبُوبِيَّةِ وفي العُبُودِيَّةِ، وذَلِكَ باطِلٌ، فَثَبَتَ أنَّهُ تَعالى إنَّما يَعْلَمُ الأشْياءَ عِنْدَ وُقُوعِها، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالِابْتِلاءُ والِامْتِحانُ والِاخْتِبارُ جائِزٌ عَلَيْهِ، وعِنْدَ هَذا قالَ: يَجْرِي قَوْلُهُ تَعالى:﴿لِنَبْلُوَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ عَلى ظاهِرِهِ، وأمّا جُمْهُورُ عُلَماءِ الإسْلامِ فَقَدِ اسْتَبْعَدُوا هَذا القَوْلَ، وقالُوا: إنَّهُ تَعالى مِنَ الأزَلِ إلى الأبَدِ عالِمٌ بِجَمِيعِ الجُزْئِيّاتِ، فالِابْتِلاءُ والِامْتِحانُ مُحالانِ عَلَيْهِ، وأيْنَما ورَدَتْ هَذِهِ الألْفاظُ، فالمُرادُ أنَّهُ تَعالى يُعامِلُهم مُعامَلَةً لَوْ صَدَرَتْ تِلْكَ المُعامَلَةُ عَنْ غَيْرِهِ لَكانَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِابْتِلاءِ والِامْتِحانِ وقَدْ ذَكَرْنا هَذِهِ المَسْألَةَ مِرارًا كَثِيرَةً.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ القاضِي: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لِنَبْلُوَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ هو أنَّهُ يَبْلُوهم لِيُبْصِرَهم أيُّهم أطْوَعُ لِلَّهِ وأشَدُّ اسْتِمْرارًا عَلى خِدْمَتِهِ؛ لِأنَّ مَن هَذا حالُهُ هو الَّذِي يَفُوزُ بِالجَنَّةِ فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ كَلَّفَ لِأجْلِ ذَلِكَ لا لِأجْلِ أنْ يُعْصى، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ مَن يَقُولُ: خَلَقَ بَعْضَهم لِلنّارِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لِنَبْلُوَهُمْ﴾ تَدُلُّ ظاهِرًا عَلى أنَّ أفْعالَ اللَّهِ مُعَلَّلَةٌ بِالأغْراضِ عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ، وأصْحابُنا قالُوا: هَذا مُحالٌ لِأنَّ التَّعْلِيلَ بِالغَرَضِ إنَّما يَصِحُّ في حَقِّ مَن لا يُمْكِنُهُ تَحْصِيلُ ذَلِكَ الغَرَضِ إلّا بِتِلْكَ الواسِطَةِ، وهَذا يَقْتَضِي العَجْزَ، وهو عَلى اللَّهِ مُحالٌ.
صفحة ٦٩
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ الزَّجّاجُ: أيَهُمُّ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ إلّا أنَّ لَفْظَهُ لَفْظُ الِاسْتِفْهامِ، والمَعْنى لِنَخْتَبِرَ ونَمْتَحِنَ هَذا أحْسَنُ عَمَلًا أمْ ذاكَ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيدًا جُرُزًا﴾ والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ إنَّما زَيَّنَ الأرْضَ لِأجْلِ الِامْتِحانِ والِابْتِلاءِ، لا لِأجْلِ أنْ يَبْقى الإنْسانُ فِيها مُتَنَعِّمًا أبَدًا، لِأنَّهُ يُزَهِّدُ فِيها بِقَوْلِهِ: ﴿وإنّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها﴾ الآيَةَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ (الرَّحْمَنِ: ٢٦) وقَوْلُهُ: ﴿فَيَذَرُها قاعًا﴾ (طَه: ١٠٦) الآيَةَ، وقَوْلُهُ: ﴿وإذا الأرْضُ مُدَّتْ﴾ (الِانْشِقاقِ: ١٣) الآيَةَ، والمَعْنى: أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ المُجازاةِ بَعْدَ فَناءِ ما عَلى الأرْضِ، وتَخْصِيصُ الإبْطالِ والإهْلاكِ بِما عَلى الأرْضِ يُوهِمُ بَقاءَ الأرْضِ إلّا أنَّ سائِرَ الآياتِ دَلَّتْ عَلى أنَّ الأرْضَ أيْضًا لا تَبْقى وهو قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ﴾ (إبْراهِيمَ: ٤٨) قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الصَّعِيدُ المُسْتَوِي مِنَ الأرْضِ، وقالَ الزَّجّاجُ: هو الطَّرِيقُ الَّذِي لا نَباتَ فِيهِ، وقَدْ ذَكَرْنا تَفْسِيرَ الصَّعِيدِ في آيَةِ التَّيَمُّمِ، وأمّا الجُرُزُ، فَقالَ الفَرّاءُ: الجُرُزُ الأرْضُ الَّتِي لا نَباتَ عَلَيْها، يُقالُ: جَرَزَتِ الأرْضُ فَهي مَجْرُوزَةٌ، وجَرَزَها الجَرادُ والشّاءُ والإبِلُ إذا أكَلَتْ ما عَلَيْها، وامْرَأةٌ جَرُوزٌ إذا كانَتْ أكُولًا، وسَيْفٌ جُرازٌ إذا كانَ مُسْتَأْصِلًا، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَسُوقُ الماءَ إلى الأرْضِ الجُرُزِ﴾ (السَّجْدَةِ: ٢٧) .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ حَسِبْتَ أنَّ أصْحابَ الكَهْفِ والرَّقِيمِ كانُوا مِن آياتِنا عَجَبًا﴾﴿إذْ أوى الفِتْيَةُ إلى الكَهْفِ فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً وهَيِّئْ لَنا مِن أمْرِنا رَشَدًا﴾﴿فَضَرَبْنا عَلى آذانِهِمْ في الكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا﴾﴿ثُمَّ بَعَثْناهم لِنَعْلَمَ أيُّ الحِزْبَيْنِ أحْصى لِما لَبِثُوا أمَدًا﴾
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ القَوْمَ تَعَجَّبُوا مِن قِصَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ، وسَألُوا عَنْها الرَّسُولَ عَلى سَبِيلِ الِامْتِحانِ، فَقالَ تَعالى: أمْ حَسِبْتَ أنَّهم كانُوا عَجَبًا مِن آياتِنا فَقَطْ، فَلا تَحْسَبَنَّ ذَلِكَ فَإنَّ آياتِنا كُلَّها عَجَبٌ، فَإنَّ مَن كانَ قادِرًا عَلى تَخْلِيقِ السَّماواتِ والأرْضِ ثُمَّ يُزَيِّنُ الأرْضَ بِأنْواعِ المَعادِنِ والنَّباتِ والحَيَوانِ، ثُمَّ