< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


إذا جَعَلْتَها ضَعِيفَةً بِسَبَبِ مُتابَعَةِ الحِراثَةِ، وبَخَعَ الرَّجُلُ نَفْسَهُ إذا نَهَكَها، وعَلى هَذا مَعْنى:﴿باخِعٌ نَفْسَكَ﴾ أيْ ناهِكُها وجاهِدُها حَتّى تُهْلِكَها، ولَكِنَّ أهْلَ التَّأْوِيلِ كُلَّهم قالُوا: قاتِلٌ نَفْسَكَ ومُهْلِكُها، والأصْلُ ما ذَكَرْناهُ، هَكَذا قالَ الواحِدِيُّ.

البَحْثُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿عَلى آثارِهِمْ﴾ أيْ مِن بَعْدِهِمْ، يُقالُ: ماتَ فُلانٌ عَلى أثَرِ فُلانٍ أيْ بَعْدَهُ، وأصْلُ هَذا أنَّ الإنْسانَ إذا ماتَ بَقِيَتْ عَلاماتُهُ وآثارُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ مُدَّةً، ثُمَّ إنَّها تَنْمَحِي وتُبْطِلُهُ بِالكُلِّيَّةِ، فَإذا كانَ مَوْتُهُ قَرِيبًا مِن مَوْتِ الأوَّلِ كانَ مَوْتُهُ حاصِلًا حالَ بَقاءِ آثارِ الأوَّلِ، فَصَحَّ أنْ يُقالَ: ماتَ فُلانٌ عَلى أثَرِ فُلانٍ.

البَحْثُ الرّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا الحَدِيثِ﴾ المُرادُ بِالحَدِيثِ القُرْآنُ، قالَ القاضِي: وهَذا يَقْتَضِي وصْفَ القُرْآنِ بِأنَّهُ حَدِيثٌ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى فَسادِ قَوْلِ مَن يَقُولُ: إنَّهُ قَدِيمٌ، وجَوابُهُ أنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى الألْفاظِ وهي حادِثَةٌ.

البَحْثُ الخامِسُ: قَوْلُهُ: ﴿أسَفًا﴾ الأسَفُ المُبالَغَةُ في الحُزْنِ، وذَكَرْنا الكَلامَ فِيهِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿غَضْبانَ أسِفًا﴾ في سُورَةِ الأعْرافِ، وعِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ﴾ وفي انْتِصابِهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّهُ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ ودَلَّ ما قَبْلَهُ مِنَ الكَلامِ عَلى أنَّهُ يَأْسَفُ.

الثّانِي: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ أيْ لِلْأسَفِ، كَقَوْلِكَ: جِئْتُكَ ابْتِغاءَ الخَيْرِ. والثّالِثُ: قالَ الزَّجّاجُ: ﴿أسَفًا﴾ مَنصُوبٌ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ.

البَحْثُ السّادِسُ: الفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَعَلَّكَ﴾ جَوابُ الشَّرْطِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ قُدِّمَ عَلَيْهِ ومَعْناهُ التَّأْخِيرُ.

صفحة ٦٨

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا جَعَلْنا ما عَلى الأرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلًا﴾﴿وإنّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيدًا جُرُزًا﴾

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ القاضِي: وجْهُ النَّظْمِ كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: يا مُحَمَّدُ إنِّي خَلَقْتُ الأرْضَ وزَيَّنْتُها وأخْرَجْتُ مِنها أنْواعَ المَنافِعِ والمَصالِحِ، والمَقْصُودُ مِن خَلْقِها بِما فِيها مِنَ المَنافِعِ ابْتِلاءُ الخَلْقِ بِهَذِهِ التَّكالِيفِ، ثُمَّ إنَّهم يَكْفُرُونَ ويَتَمَرَّدُونَ مَعَ ذَلِكَ فَلا أقْطَعُ عَنْهم مَوادَّ هَذِهِ النِّعَمِ. فَأنْتَ أيْضًا يا مُحَمَّدُ يَنْبَغِي أنْ لا تَنْتَهِيَ في الحُزْنِ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ إلى أنْ تَتْرُكَ الِاشْتِغالَ بِدَعْوَتِهِمْ إلى الدِّينِ الحَقِّ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِ هَذِهِ الزِّينَةِ، فَقالَ بَعْضُهم: النَّباتُ والشَّجَرُ وضَمَّ بَعْضُهم إلَيْهِ الذَّهَبَ والفِضَّةَ والمَعادِنَ، وضَمَّ بَعْضُهم إلى سائِرِ الحَيَواناتِ، وقالَ بَعْضُهم: بَلِ المُرادُ النّاسُ فَهم زِينَةُ الأرْضِ، وبِالجُمْلَةِ فَلَيْسَ بِالأرْضِ إلّا المَوالِيدُ الثَّلاثَةُ وهي المَعادِنُ والنَّباتُ والحَيَوانُ، وأشْرَفُ أنْواعِ الحَيَوانِ الإنْسانُ، وقالَ القاضِي: الأوْلى أنَّهُ لا يَدْخُلُ في هَذِهِ الزِّينَةِ المُكَلَّفُ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿إنّا جَعَلْنا ما عَلى الأرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ﴾ فَمَن يَبْلُوهُ يَجِبُ أنْ لا يَدْخُلَ في ذَلِكَ، فَأمّا سائِرُ النَّباتِ والحَيَوانِ، فَإنَّهم يَدْخُلُونَ فِيهِ كَدُخُولِ سائِرِ ما يُنْتَفَعُ بِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿زِينَةً لَها﴾ أيْ لِلْأرْضِ، ولا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ ما يُحَسَّنُ بِهِ الأرْضُ زِينَةً لِلْأرْضِ كَما جَعَلَ اللَّهُ السَّماءَ مُزَيَّنَةً بِزِينَةِ الكَواكِبِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿لِنَبْلُوَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: ذَهَبَ هِشامُ بْنُ الحَكَمِ إلى أنَّهُ تَعالى لا يَعْلَمُ الحَوادِثَ إلّا عِنْدَ دُخُولِها في الوُجُودِ، فَعَلى هَذا الِابْتِلاءُ والِامْتِحانُ عَلى اللَّهِ جائِزٌ، واحْتَجَّ عَلَيْهِ بِأنَّهُ تَعالى لَوْ كانَ عالِمًا بِالجُزْئِيّاتِ قَبْلَ وُقُوعِها لَكانَ كُلُّ ما عَلِمَ وُقُوعَهُ واجِبَ الوُقُوعِ، وكُلُّ ما عَلِمَ عَدَمَهُ مُمْتَنِعَ الوُقُوعِ، وإلّا لَزِمَ انْقِلابُ عِلْمِهِ جَهْلًا وذَلِكَ مُحالٌ، والمُفْضِي إلى المُحالِ مُحالٌ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ واجِبًا فالَّذِي عَلِمَ وُقُوعَهُ يَجِبُ كَوْنُهُ فاعِلًا لَهُ ولا قُدْرَةَ لَهُ عَلى التَّرْكِ، والَّذِي عَلِمَ عَدَمَهُ يَكُونُ مُمْتَنِعَ الوُقُوعِ ولا قُدْرَةَ لَهُ عَلى الفِعْلِ، وعَلى هَذا يَلْزَمُ أنْ لا يَكُونَ اللَّهُ قادِرًا عَلى