< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


القاسم، عن أبي أُمامة، قال: قال رسول الله ﷺ:﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ قال: " أتدرون ما وَفَّى"؟ قالوا الله ورسوله أعلم، قال: وفَّى عَمَل يَوْمِهِ أرْبَعَ رَكعَات في النَّهارِ".

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: وفى جميع شرائع الإسلام وجميع ما أُمر به من الطاعة، لأن الله تعالى ذكره أخبر عنه أنه وفى فعم بالخبر عن توفيته جميع الطاعة، ولم يخصص بعضا دون بعض.

فإن قال قائل: فإنه خصّ ذلك بقوله وفي ﴿أَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ فإن ذلك مما أخبر الله جل ثناؤه أنه في صحف موسى وإبراهيم، لا مما خصّ به الخبر عن أنه وفى. وأما التوفية فإنها على العموم، ولو صحّ الخبران اللذان ذكرناهما أو أحدهما عن رسول الله ﷺ، لم نَعْدُ القول به إلى غيره ولكن في إسنادهما نظر يجب التثبت فيهما من أجله.

* *

وقوله ﴿أَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾

فإن من قوله ﴿أَلا تَزِرُ﴾ على التأويل الذي تأوّلناه في موضع خفض ردّا على "ما" التي في قوله ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى﴾ يعني بقوله ﴿أَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ غيرها، بل كل آثمة فإنما إثمها عليها.

وقد بيَّنا تأويل ذلك باختلاف أهل العلم فيه فيما مضى قبل.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا محمد بن عبيد المحاربيّ، قال: ثنا أبو مالك الجَنْبي، قال: ثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي مالك الغفاريّ في قوله ﴿أَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَأَنْ لَيْسَ لِلإنْسَانِ إِلا مَا سَعَى﴾ إلى قوله ﴿مِنَ النُّذُرِ الأولَى﴾ قال: هذا في صحف إبراهيم وموسى.

وإنما عُني بقوله ﴿أَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ الذي ضَمِن للوليد بن المغيرة أن يتحمل عنه عذاب الله يوم القيامة، يقول: ألم يُخْبَرْ قائل هذا القول، وضامن هذا الضمان بالذي في صحف موسى وإبراهيم مكتوب: أن لا تأثم آثمة إثم أخرى غيرها ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإنْسَانِ إِلا مَا سَعَى﴾ يقول جلّ ثناؤه: أوَ لم يُنَبأ أنه لا يُجَازي عامل إلا بعمله، خيرا كان ذلك أو شرّا.

كما:-

⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإنْسَانِ إِلا مَا سَعَى﴾ ، وقرأ ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ قال: أعمالكم.

وذُكر عن ابن عباس أنه قال: هذه الآية منسوخة.

⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإنْسَانِ إِلا مَا سَعَى﴾ قال: فأنزل الله بعد هذا ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ فأدخل الأبناء بصلاح الآباء الجنة.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (٤٠) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأوْفَى (٤١) وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (٤٢) وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (٤٣) ﴾

قوله جل ثناؤه ﴿وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى﴾ يقول تعالى ذكره: وأن عمل كلّ عامل سوف يراه يوم القيامة، من ورد القيامة بالجزاء الذي يُجازى عليه، خيرا كان أو شرّا، لا يؤاخذ بعقوبة ذنب غير عامله، ولا يثاب على صالح عمله عامل غيره. وإنما عُنِي بذلك: الذي رجع عن إسلامه بضمان صاحبه له أن يتحمل عنه العذاب، أن ضمانه ذلك لا ينفعه، ولا يُغْنِي عنه يوم القيامة شيئا، لأن كلّ عامل فبعمله مأخوذ.

* *

وقوله ﴿ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأوْفَى﴾

يقول تعالى ذكره: ثم يُثاب بسعيه ذلك الثواب الأوفى.